كانت الكتابة لدي محاولة لتثبيت زمن ما، زمن قديم، زمن سرمدي أبدي، زمن لا أراه ولكني أحسه في سريانه العبثي على الوجوه والكائنات والأشياء، كان هذا الزمن يتشرنق حول نفسه.. يكتب نفسه، ويمحو نفسه، رغبة متناقضة في الكتابة والمحو في آن.. وكان هذا السؤال حاضراً دائماً في ذهني لماذا أكتب؟ لماذا أناي تكتب، وكانت الاجابات مختلفة ومشتتة. إن كتابة المبدع عن تجربته الإبداعية، يشبه الكتابة عن حبيبة عصية على الفهم والمنال، حبيبة غير متاحة، مزعجة ومتبجحة ومدهشة، وربما هي أكثر من حبيبة، هي حلم نائي ومتباعد، وطن لم نعرفه أبداً ولم ننتمي إليه، الكتابة هي الخوض في جنون آخر، جنون غير محتمل ولكنه جميل. وفي هذا البعيد المظلم نشأت"ياه كم هو العالم مغلق"لم يكن هناك جديد ينتظرني، ويقلق سكينتي، ليس هناك سوى نافذة واحدة تطل على عالم ثري بالتحفز والدهشة والتوق وانتظار نهاية النفق، كان ذلك العالم"عالم أبي"أفكاره جلساته وقراءته، كان ذاكرتي الحية في تلك الغربة، واليد الأولى التي جعلتني أصافح العالم. كنت ظله المتحفز للركض، فبدأ أبي يصطحبني معه في كل جولاته وتسكعاته في: المقاهي التي يرتادها اليمنيون هناك ويكدسون فيها أحلامهم، أو في البيوت البسيطة البعيدة وكأنها في عالم آخر حيث يتجمع بعض أصدقاء الأب ليمضغون القات، ويشيدون ما تبقى من براءة أيامهم وشجونهم وذكريات الوطن الممزقة بالصراعات والسياسة والكذب والفقر والقهر، كانت النسمات القادمة من الوطن تأتي إليّ باردة مضمخة بالحنين الأول، والشجن الأول لماض لم أعشه كما يجب. كان أبي مثقفاً ثورياً من الطراز القديم الذي لم يعد موجوداً، كان قارئاً نهماً ومثقفاً بسيطاً معبأ بأحلام جيفارا ومقولات لينين وماركس والعمال و"تبجحات"عبدالناصر والجبهة القومية وأحلام الوحدة العربية، كان أبي ممتلئاً بكل ما هو مثالي وقديم، وكان يملؤني بحكايات المجد الغابر والتواريخ العريضة للوطن كانت حدوده ما وراء الشمس، ومن ذلك البعيد والقصي جداً كان يتبادر إلى ذهني البليد أن أرض الآلهة، أرض المقة والملكة العظيمة"بلقيس"ما زال موجوداً كما هو من فجر الخليقة، فقط لابد من العودة! إذن لماذا نحن هنا يا أبي؟ لماذا لا نعود؟ ولماذا كانت تأخذ أبعاداً عظيمة لدي، من المخاوف والهواجس والترقب، لكن أبي كان لايجيب. ظلت أسرتي تعيش ذلك التناقض بين مجتمع مغلق وبين مبادئ أكثر انفتاحاً، لذا كانت طفولتي تحرضني دائماً على الترقب والبحلقة وانتظار شيء ما، التلصص على العالم الخارجي، فقط العبور المسالم لي واللامرئي، فقط الانتظار أو الاختباء والتماهي حتى لا يلحظني أحد، لأني كنت حينها لا أحد عظيم ومتعاظم، صفر كبير يوشك على الانفجار يوماً ما. كان عام 1990 عاماً جديراً بالذكر على مسيرة العائلة والوطن، ومن يدري ربما العالم كان عام الوحدة اليمنية كما يقال، لكنه لدى الكثير منا كان عام العودة إلى الوطن. أما أنا فكان ذلك العام هو عام العودة من الخارج إلى الداخل، إلى الذات القلقة، المتعبة، الذات التي تبحث عن جذر ما تستند عليه، عن حكايا ما تعيشها وترويها من دون خوف. كان الوطن المجهول والكتابة العصية بدأت إذن في التحقق. نهم شديد لملء تلك الذاكرة المثقوبة التي تخصني، وبدأت بمطابقتها مع واقع جديد ومدهش ومتفتح كما كان يبدو. كانت القراءة هي الخطوة الأولى لملء ذلك الشغف لخلق عالم آخر موازي أكثر رحابة، تعدد قراءاتي، ولكني كنت متيمة بقراءة السير الذاتية للكتاب والمبدعين، تلك النقطة المحفورة بالغيب فمن أيام طه حسين، إلى يوميات فدوى طوقان، إلى الباب المفتوح للطيفة الزيات، إلى سيرة حياة ماركيز إلى يوميات جورجي آمادو، كنت أبحث عن ألم البداية. وكان طريقي متعرجاً. انتمي جيلياً ? إذا سلمنا بمصطلح الأجيال - إلى جيل التسعينات، هذا الجيل الذي شهد الكثير من التناقضات والانكسارات والأحلام، الجيل الذي شهد عالمياً انهيار المنظومة الاشتراكية. وما مثلته هذه التجربة من انهيارات اجتماعية وايدلوجية وسياسية كثيرة، وعربياً كانت حرب الخليج الأولى وما مثلت من ضربة أخيرة في نعش القومية العربية والوحدة والوطن الواحد، ومحلياً كان قيام الوحدة اليمنية. هذه التجارب الإنسانية أثرت في التكوين الثقافي والفكري والنفس والاجتماعي والاقتصادي على هذا الجيل، الذي لم يعد يؤمن بالمسلمات والثوابت والأحلام الجمعية، ولم تعد تشغله القضايا الكبرى التي كان الجيل السابق مؤمناً بها. لذا تأثر ابداعه في اليومي المعاش والتفاصيل الصغيرة، وبدأت العودة والنزوح من المركز إلى الهامش، ومن الخارج إلى الداخل، لتصبح ذات المبدع هي مركز الكون، ومن ثم تنوعت المشارب الفكرية لهذا الجيل، جيل ليس محبطاً تماماً، ولكنه لم يعد يؤمن بشيء، أصبح النسبي هي القيمة الوحيدة التي يستند عليها. ومن جانب آخر، كان هذا الجيل، جيلاً منفتحاً على العالم، جيلاً نهماً ومتمرداً ومتجاوزاً ومتحدياً كل شيء، وكان المشهد الثقافي اليمني يشهد هذه الولادة، فظهرت الكثير من الأسماء الإبداعية اللافتة، وكانت الظاهرة الأبرز ظهور العديد من التجارب الإبداعية لأديبات يمنيات استطعن أن يحفرن وجودهن بقوة وثقة وسأخص الكتابة السردية، ومن هذه الأسماء: القاصة هدى العطاس ونادية الكوكباني وأروى عبده عثمان وريا أحمد وانتصار الحارث وعفاف البشيري ومحاسن الحواتي وغيرها من الأسماء التي لا يحضرني ذكرها، واتسمت كتابة ابداع المرأة في هذا الجيل باقتحام التابوهات التقليدية المغلقة في وجه المبدع ،والرغبة في تعرية الواقع والخوض في علاقة المرأة بالعالم، والآخر، وتمثل ذلك بوعي المبدعة بذاتها كقيمة مطلقة ووعيها بجسدها، فاستطاعت بعض الكاتبات إعادة تشكيل هذه العلاقة المربكة علاقة المرأة بجسدها والعالم. ومن المعوقات الأخرى والبارزة في نظري التي لا بد من الوقوف عليها والتي أثرت في ابداع المرأة، هو غياب المؤسسة النقدية في اليمن، الذي يعتبر خللاً ثقافياً حقيقياً ما زلنا ندفع تبعاته، فأنت تقرأ نفسك؟ وتروج لنفسك وقد تقتل نفسك! فليس هناك ناقد متابع وحريص يقوم برصد وقراءة الحراك الأدبي وتناول الاصدارات بالدراسة أو حتى مجرد التنويه، أما الأدب الذي تنتجه المرأة فهو يعاني من ظلم آخر فليس هناك موضوعية في تناول هذا الأدب، فإما أن يتم تسويقه بنعومة والتغاضي عن رداءته باعتباره أدباً صادراً عن مرأة، أو بتجاهله وعدم الالتفات إليه... هذه النظرة الدونية ظلمت الكثير من الأعمال التي كانت تستحق في رأييَّ القليل من القراءة، وإن كان هناك مبدع يستحق الإشادة، وناقد تناول الإبداع الجديد فهو الناقد العراقي الدكتور حاتم الصكر، الذي أشعل شمعه في ظلام المشهد النقدي في اليمن. السمة الأخرى البارزة في واقعنا الثقافي، وتمثل معوقاً ثقافياً حقيقياً يكابده المبدع والمبدعة في آن وهو عدم وجود دور نشر تعنى بنشر الاصدارات الجديدة، لذا يلجأ المبدع والمبدعة إلى طباعة أعماله على نفقته الشخصية، وقد يلجأ إلى مكتبات تقوم بطبع أعماله لكنها عموماً غير مؤهلة تقنياً للنشر، وربما يعوق الوضع الاقتصادي للمبدع بتكبد عناء النشر، وفي هذا السياق، لا بد من أن أتطرق إلى تجربة فريدة وسابقة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في فترة تولي الشاعر الجميل الراحل محمد حسين هيثم أمانة الاتحاد، إذ كان لهذا الشاعر الجميل دور رائد في نشر العديد من تجارب الأدباء الشباب، سواء من التسعينيين وسواهم، وكان يخص اهتمامه بإبداع المرأة والكتابات الجديدة، لقد كان - رحمه الله - مؤسسة متكاملة تستحق الإشادة، سواء في تكبده عناء النشر، أم في متابعته للأجيال الجديدة. * أديبة من اليمن