انتهى الموسم الرياضي في بلادنا او يكاد، ونحن الآن في حال اشبه بنهاية السنة الميلادية في القطاع الخاص، إذ تقفل الشركات حساباتها، وتبدأ مراجعاتها، إلا أن الشركات قد تعزز استثماراتها في مجال او اثنين وتطور قدرات موظفيها عندما تلمس نقاط ضعف وتدمج او توقف بعض نشاطاتها، في حين أن رئيس النادي يستقيل مع صافرة نهاية المباراة الأخيرة، ويسرح نصف اللاعبين ويلغي عقد المدرب ومساعديه! ليست هذه الحالة وحدها ما تتميز بها الأندية العربية عموماً والسعودية خصوصاً، والإعلام التوأم السيامي للرياضة هو أيضاً يعيش مناخاً جديداً تركيبته الربح السريع والاثارة وصناعة نجوم، حتى ولو كانوا من ورق، أما النشاط الذي ما زال بلا حراك فهو التعليق الرياضي، وقد تسبب معلق رياضي او اكثر في عزوفي وعزوف غيري عن متابعة مباريات كرة القدم السعودية والعربية، والسر يكمن في الكلام الفارغ. أشبّه التعليق الرياضي على المباريات بالوضع العربي عموماً، فهناك الكثير مما يقال لا حاجة له، واستغفال الناس مهنة رائجة على رغم أن نصيبها من النجاح بدأ يتضاءل، والجميع يشترك في مؤامرة تحسين وتجميل الواقع المر إضافة إلى تأكيد مقولة تشير الى ان العرب ظاهرة صوتية. الصوت سلاح المعلقين وهكذا نسمع، وتسعون دقيقة من الزعيق والصراخ والتهويل والمداخلات لا تعبر عن سياق الواقع ولا تعكس أحداثه، بل هي تصدر عن شخص يحضر قبل المباراة بدقائق ويبدأ معنا مشوار عمله اليومي بالضجيج، ويعيد إقرار ما يحدث أمام أعيننا كما لو كنا عمياناً، ونحن نقبل بذلك لولا انه يخرج من مهام الوظيفة ليمارس أدواراً أخرى لا قبل له بها، ولا حاجة لتذكير القارئ بحالات كثيرة استمع فيها الى معلق يتحول الى شيخ المدربين، ويضع الخطط، وينتقد التغييرات لمدربين امضوا جل حياتهم في ملاعب أوروبا والبرازيل، بينما خبراته لا تتعدى مبنى الاستاد. منذ أن بدأ اللاعبون بكتابة أسمائهم على القمصان أحسست ان شمس التعليق العربي دنت للمغيب، فالشيء الوحيد الذي كان المعلقون يتفردون به هو مطابقة رقم القميص لاسم يرد في قائمة توجد لدى الاستاذ المعلق وحده وتغيب عن المشاهدين، وما زلت اذكر معلقاً سعودياً أطلق اسم مثل كم يون بينغ على نصف لاعبي المنتخب الكوري، أما النصف الآخر فكان الاسم نفسه مقلوباً. قد يكون الجود في التعليق من موجود الوسائل المتاحة وقتها، إلا أن الرياضة تطورت اليوم وتطورت أدواتها وتقنياتها المصاحبة، وبقي نشاط التعليق الذي يشكل فيه العنصر البشري العربي الأساس لتنفيذه حبيس مدارس قديمة لمعلقين اقتاتوا على مكافآت الوظيفة وداروا في فلك من سبقهم او استفادوا من تجارب عربية عربية بدأت هزيلة، وما زالت هزيلة حتى اليوم. [email protected]