لم يكن مفاجئاً لي ان تطالب الجمعية الوطنية السعودية لحقوق الإنسان في أول تقرير تصدره بإلغاء نظام الكفالة، وهي تقول إن هذا النظام يتسبب في كثير من الانتهاكات لحقوق العمالة الأجنبية في المملكة، وطالبت أيضاً بضرورة إجراء دراسة لإيجاد بدائل لهذا النظام الذي استخدمه الكثيرون بتعسف، ما شكل أكبر الظواهر السلبية في مجتمعنا حتى اليوم. هذا الجانب الإنساني مهم للغاية، فهذه السيطرة المفرطة خطيرة ليس لأنها تظلم الضعفاء من العمال المغتربين، بل لأنها تصنع لنا بحكم القانون وبنود الأنظمة عمالقة يمارسون السخرة والاستغلال وبدلاً من ان نسهم في وضع اجراءات تشحذ الهمة وتحفز على الانتاج في مجتمعنا، اوجدنا هذه الواحة الكسولة لكل من يبحث عن ريال رخيص، لا يكلف سوى هوية وطنية وسجل تجاري، يبدأ بعدها بجباية الرسوم على كل رأس مكفول. لن نخوض في قصص السجلات تلك وإلا لطال الحديث بما لا تتسع له هذه الزاوية، لكن اود ان انبه القارئ لحجم الظاهرة المتعلقة بالكفالة والتستر في آن واحد ومساوئها ليست على العامل فقط بل وعلى اقتصادنا وسلوكياتنا وانتاجيتنا وهي بحجم اكبر مما نتخيل، فهي تفتح بيوتاً وتعول أسراً وتمول مشاريع، وقد كنت شاهداً لتجمع ضخم ظننته مظاهرة عمالية في احد الأحياء لأكتشف ان كفيلاً"واسع الانتشار"اثري من تجارة التأشيرات وعوائد السخرة قد طال غيابه للدرجة التي تضرر معها المكفولون وباتوا مخالفين لنظام الإقامة وقد قدموا من كل ارجاء المنطقة ليقرروا الخطوة المقبلة. نسمع عن تعديلات في النظام فرضها انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية، وما زلنا بحاجة الى تدخل لوقف التعسف في بعض الحالات عندما يلغي الكفيل إقامة مكفوله من دون وجه حق، فلا يتمكن من العودة الا بعد مضي عامين، ويمكن أن يحتفظ الكفيل بجواز السفر فيمنعه من السفر أو العودة إلى بلاده وتركه معلقاً، ونسمع عن حالات يستخدم فيها الكفيل تلك الحيل للضغط على العمال لإجبارهم على التنازل عن حقوقهم أو تسوية مستحقاتهم المالية بطريقة ترضي الكفيل فقط. الغريب ان حرفة الكفالة والتستر تلك ما زالت رائجة، على رغم الاشتراطات الجديدة وضغوط وزارة العمل على التأشيرات الحقيقية والوهمية، والناس ألِفَت هذا الدخل السهل ولا تستطيع العيش من دونه، ويحكي لي مهندس زراعي باكستاني يدير شركة صغيرة لتنسيق الحدائق المنزلية، ان نصف عملائه السعوديين يعرضون عليه نقل الكفالة والعمل بتستر في مقابل رسم سنوي كان آخرهم إمام الجامع الذي اقترح صيغة جديدة للتعامل، تقضي بأن يُمنح الكفيل 90 في المئة من الأرباح وال 10 في المئة الباقية لمهندسنا، وعندما سأله عن السبب قال: لأنني سعودي! هذه الميزة النسبية التي منحنا إياها طوال عقود ك"كفيل سعودي"يبدو أننا اسأنا استخدامها بشكل كبير، وبدلاً من ان يسهم الكفلاء في حماية النظام ورعاية مكفوليهم ومساندة جهود الدولة في السيطرة على سوق العمل باتوا يشكلون عبئاً عليها وعبئاً على اقتصادنا. [email protected]