كان في ذلك الحين لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، يعيش بداية مراهقته وعنفوانها، كان ينظر إلى المستقبل بتفاؤل، ولم يعلم في ذلك اليوم أن أحلام الشباب التي لاتزال صغيرة ستقتل، وأن أياماً مظلمة ستحل مكانها. توجه عمر العنزي في ذلك اليوم إلى بقالة تقع إلى جانب منزل عائلته، وخلال عبوره الشارع دهسته دورية أمنية، لم يستطع بعدها أن يقف على أرجله أو يعتمد على نفسه في أي من أمور حياته اليومية، على رغم مرور نحو ثلاث سنوات على تاريخ الحادثة. يقول خالد العنزي أبو عمر عن الحادثة الذي تعرض لها ابنه: "لا أريد الخوض في تفاصيل الحادثة، التي حمل تقرير المرور فيها ولدي الجزء الأكبر من الخطأ، بنسبة 75 في المئة"، مؤكداً أن ابنه الأكبر ذهب إلى البقالة نحو التاسعة والنصف مساء، وحين كان عائداً محملاً بالأغراض المنزلية، دهسه سائق دورية خلال اجتيازه للشارع التجاري وهو شارع 30 يقع قرب المنزل"، مؤكداً أنه نقل بعدها إلى مستوصف قريب من البيت، وبعدها إلى مستشفى الملك فهد. ويتابع: "بعد توجهي إلى إدارة المرور للاطلاع على ملابسات الحادثة، وجدت في تقرير المرور، ثلاث نقاط حملت عمر 75 في المئة من المسؤولية في الحادثة، وهي: إهمال من أهل الولد المصدوم، الولد كان يرتدي ثوباً رصاصياً في الليل، الولد قام بتجاوز الشارع"، موضحاً أنه احتج بشدة على النسبة، كون إرسال الابن الأكبر إلى البقالة ليس إهمالاً من والديه، وارتداء ثياب داكنة في فصل الشتاء ليس مخالفة، وعبوره الشارع أمر منطقي، إلا أن النسبة لم تتغير على رغم تشكيل لجان عدة". ولا يخفي أبو عمر انه استسلم للأمر الواقع وحمد الله على ما قدر على ولده، خصوصاً بعدما فشل في إقناع إدارة المرور بعدم منطقية التقرير. بعد ستة أشهر من الخوف والحزن استبشر أبو عمر خيراً بعد استفاقة ولده من الغيبوبة التامة، التي استمر عليها طوال تلك المدة، ووفر جهده لمتابعته في المستشفيات، "تعاطف الجميع مع ولدي، وكان محل اهتمام من مستشفى الملك فهد للحرس الوطني، ومدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز الإنسانية، التي تم تحويله إليها، وهو كل ما كنا نرغب فيه". وعلى رغم بطء تحسن حالة عمر الصحية، إلا أن الأمل في أن يستعيد عافيته لم يفارق عائلته ومحبيه، إلى أن تم إخبارهم بأن وضعه الحالي هو أفضل ما يمكن أن يصل إليه من تعرض لمثل حادثته، "هذا الأمر جعلني أخاطب عدداً من المستشفيات المتخصصة داخل وخارج السعودية بناء على نصائح الاختصاصيين". ويشير أبو عمر الذي بالكاد يوفر قوت أبنائه، إلى أن موافقة أحد المستشفيات في ألمانيا وآخر في التشيك على علاج ابنه بعد الاطلاع على التقارير الطبية الخاصة به، أدخلت الفرحة إلى قلبه، مستدركاً أنها فرحة ممزوجة بخوف شديد، إذ يجهل التكاليف المترتبة على الجراحة ورحلة العلاج، وإن كان متأكداً من عدم قدرته على تحمل أي جزء منها، إذ يستنزف راتبه في الإنفاق على عائلته المكونة من زوجة وتسعة أبناء. وإلى أن يتدخل أصحاب القلوب الرحيمة، لتمكين ولده من السفر للعلاج في الخارج، يقبع عمر في منزل والده وهو في حال عجز تام، إذ لا يعجز عن الأكل فقط، ويستعين بأنبوب خارجي من أجل ذلك، بل يعجز عن النطق وطلب المساعدة حين تنتابه نوبات التشنج، وجاء في آخر تشخيص لحاله الصحية أنه يحتاج إلى التغذية عن طريق أنبوب، ويعجز عن التحكم في مخرجيه ما يستوجب وضع حفاظة له وتغييرها باستمرار. أيضاً يجد عمر صعوبة بالغة في تحريك أطرافه الأربعة وعدم تحكمه فيها مع تشنجات شديدة تشمل الجهة اليسرى العلوية من أربطة الجسد، إضافة إلى تشوهات في ترتيب أضلع القفص الصدري، ناهيك عن إصابة خطيرة في الدماغ وكدمات في المخ، وخرس، وإدراك غير سوي وحاد. وعلى رغم وضعه الصحي الذي جعله أسير كرسي متحرك وأنبوب غذاء يتنقل معه، ما زال عمر قادراً على رسم ابتسامة على وجهه، عجز أهله عن رسمها منذ تعرضه للحادثة وتحوله إلى جثة متحركة.