عندما تطأ قدماك أراضي قرى الرحة في وادي دفا في محافظة الداير في منطقة جازان، تتقافز في وجهك الأسئلة، هل هؤلاء يعيشون خارج الزمن؟ ألم يسمعوا عن النهضة والتطور الذي يعيشه العالم؟ هل هم رفضوا التعايش مع الحضارة وابتعدوا منها متحفظين على بعض مساوئها؟ أم أنهم زهاد طغى عليهم طابع الزهد، فآثروا العيش بهذا الشكل أملاً في ثواب الآخرة؟ أسئلة تحاصرك من كل اتجاه، فلا تجد لها جواباً، إلا عندما تصل إلى تلك القرى. غالبية الرجال أميون، يجتمعون في احد المساجد التي أنشأها فاعل خير، فلا يجدوا من يؤمهم فيغادروا المسجد وأعينهم تفيض من الدمع، الأطفال يتكبدون المخاطر يومياً عندما تنقلهم سيارات متهالكة إلى اقرب مدرسة. أما البنات فهن ما زلن أميات. تتجسد المعاناة في قرى الرحة في وادي دفا، في افتقارها إلى الخدمات الصحية البسيطة أو الكهرباء، فلا بنية تحتية يمكن أن تضمن للسكان توافر الخدمات الضرورية للحياة اليومية. أجساد ورؤوس تمتلئ بآثار الكي، علاج السكان الوحيد، في غياب الخدمات الصحية الضرورية. وآثار هذا العلاج البدائي النفسية لا تمحى، لاسيما من نفوس الفتيات. يصدمك واقع حياة قبائل آل تليد التي تسكن قرى الرحة التابعة إلى منطقة جازان، فمعظم منازلهم من القش، والمقتدر منهم استطاع إنشاء غرفة أو غرفتين تفتقر إلى ابسط مقومات الحياة الكريمة، تخلو من أي أثاث، فتجدهم يفترشون الأرض، وفي الليل يلتحفون السماء. "الفانوس"أو"التريك"وسيلتهم لمواجهة ظلمة الليل، والمقتدر منهم استطاع إحضار مولد صغير، فكأنه ملك الدنيا ويعيش وسط مجتمعه في ترف، قد يحسد عليه من الآخرين. ويشربون المياه من مستنقعات الأودية المحيطة بهم بعد أن اختلطت ب"مخلفات البهائم". معظم منازل قرى الرحة عبارة عن عُرش مسقوفة من القش، لا تقي من حر الشمس أو المطر، ونادراً ما تجد احدهم يملك أكثر من غرفة مسقوفة بالخشب، حتى تكون لهم مأمن وقت الإمطار الغزيرة، ويلجأ إليها أفراد الأسرة عند غياب رب الأسرة. غرفة واحدة فقط يشتكي جابر التليدي 60 عاماً من النقص الشديد في الخدمات، مؤكداً أن سكان المنطقة لا يستطيعون مراجعة الإدارات الحكومية للمطالبة بالحد الأدنى من الخدمات الماسة لحياتهم. وأشار إلى أن الأمل بظهور يوم جديد يبتسم للأبناء، هو العزاء الوحيد للآباء بأن يتمسكوا بأرضهم. في داخل الغرفة التي في الغالب أعدت للاستقبال، لا تجد أكثر من حصير يحتفظون بها كفراش للضيوف، بينما يفترش أهل المنزل الأرض. وأكد صاحب المنزل قاسم سعيد التليدي أن معاناتهم كبيرة،"فالخدمات تغيب عنا، ولا نرى منها شيئاً وواقعنا مؤلم جداً وكما تشاهد منازل، لا تناسب وضع البشر للعيش، غرفة واحدة ولكن هذا قدرنا". وأضاف أن ما يحز في نفوسهم ويخلق لديهم خوفاً هو مستقبل أبنائهم الذين يرون واقع أقرأنهم في المواقع الأخرى، فيشعرون بالحسرة من واقعهم، لافتاً إلى أنهم مستعدين للصبر على هذه الأوضاع والتعايش معها"ذهب أكثر العمر ولكن ماذا ينتظر أطفالنا". كسوة العيد معظم الأطفال خصوصاً الفتيات الصغيرات، محرومون من ملذات الحياة فهم لا يتطلعون إلى الألعاب، ولا يحلمون بأي الترفيه، ولكن تشاهد على وجوههم البؤس والحاجة. ملابس بعضهم مقطعة، لم يتذوقوا يوماً الحلوى ولم يعرفوا الفاكهة، لأنهم بكل بساطة فقراء، ولا يحصلون إلا على كسوة واحدة في العام عند مقدم العيد. لا يعرفون طعم الفاكهة لازال الفانوس حاضراً في وادي وقرى الرحة، ومعظم السكان يعتمدون عليه في الإنارة ليس زهداً، ولكن خيارهم الوحيد في هذه الحياة القاسية. وسعيد الحظ من استطاع شراء"اتريك"ويعد في بحبوحة من العيش، مقارنة بأحوال أهل المنطقة. مطابخ الأسر في العراء، والحطب ما زال الوسيلة الأولى للطبخ. ونادراً أن تشاهد أحداً يمتلك موقداً أو فرناً أو اسطوانة، فهي تكلف الكثير. و"المعدم"لا خيار أمامه الا الرضوخ للأمر الواقع، ولهذا لابد من أن يتعايش مع الطرق البدائية. انعدام الكهرباء وضعف الإمكانات الشرائية لم تمكن غالبيتهم من شراء ثلاجة لحفظ وتبريد الأطعمة، ولذلك لا تعجب أن يقول احدهم انه لم يتذوق طعم الفاكهة، ولو مرة في حياته أو يشرب ماء بارداً إلا إذا غادر المكان. الفتيات بلا تعليم الأولاد يذهبون إلى المدرسة البعيدة منهم بعد توافر نقل خاص بهم من إدارة التعليم. وعلى رغم ما يواجهون من مخاطر السيول وصعوبة الطريق، إلا أنهم أحسن حالاً من الفتيات اللاتي بقين أميات، فلا تجد في هذا الوادي فتاة متعلمة. وتبرع أحد السكان هذا العام ببناء غرفتين لتكون مدرسة لتعليم الكبيرات، بعد أن باع سيارته الخاصة. وأوضح شيخ القرية جابر فايع انه تبرع بارض لإدارة تعليم البنين حتى يقام عليها مدرسة، واستلمت الإدارة الأرض أخيراً. وتمنى فايع أن تكون هناك مبادرة من تعليم البنات بافتتاح مدرسة ابتدائية للبنات، مشيراً إلى أن النساء في القرى لا يعرفن أمور دينهن ومن حقهن التعليم أسوة بغيرهن. العلاج ب"النار" بعدهم من محافظة الداير وعدم وجود مركز صحي، جعل الكي والتداوي بالطب الشعبي خيارهم الوحيد، وهذه معاناة قبائل آل تليد بكاملها، التي تفتقر إلى الخدمات الصحية، والتي لا يوجد في منطقتهم أي مركز صحي. ويمكن أن يقع أحد السكان فريسة سهلة للأمراض، ويضطر إلى العلاج بالطب الشعبي والكي الذي"لسعته"ارحم من آلام المرض. ويدهم النساء المخاض في قرى وأودية سحيقة متباعدة، وإن وجدت سيارة لنقلها يمكن أن تفقد حياتها قبل أن تصل إلى أقرب مركز صحي. ويترك التداوي بالكي صوراً وأثاراً جسدية ونفسية على نفوس وأجساد ورؤوس السكان، لم يمحها الزمن، خصوصاً الفتيات اللاتي يشاهدون تشويهاً لأجسادهن. فأجساد جابر التليدي ويحيى وسالم تمتلئ بآثار الكي، وفتيات صغيرات شوه الكي أجسادهن ورؤوسهن. وأوضح محمد التليدي من سكان قرى الرحة، أن السكان لا يجدون بداً من التداوي بالكي، فهو العلاج الوحيد الذي يلجئون إليه لمداوات أنفسهم أو أبنائهم. خطر المتسللين يعاني سكان وادي الرحة من عبور المتسللين المستمر من الوادي بحسب المواطن جابر معتق. ويقول:"المتسللون لا يتوقفون عن عبور الوادي طوال الأربع والعشرين، ما يشكل خطراً على أسرنا ومنازلنا". وأضاف:"بعضهم يكون مجموعات كبيرة، وهم بذلك العدد يهددون سكان القرية بأكملها، ويمكن أن يلجئوا إلى منازل السكان". يجتمعون لأداء"الجمعة"... فيكتفون بصلاة الظهر بني مسجد كبير في القرية على نفقة فاعل خير، يتجمع فيه السكان لاسيما لصلاة الجمعة، ولكن المفاجأة أن المسجد من دون إمام، والسكان أميون، لا يوجد فيهم من يحسن القراءة والكتابة، ولهذا يظلون واقفين منتظرين أن يطل عليهم احد، ليؤمهم في صلاة الجمعة، وعند زوال الوقت يتفرقون. وأكد جابر معتق أن أكثر من 50 مصلياً يجتمعون كل جمعة في المسجد لأداء الصلاة، وينتظرون أي زائر يجيد القراءة والخطابة ليؤمهم، ولكن في معظم الأحيان يؤدون صلاة الظهر عندما لا يحضر أحد. ويقول يحيى علي:"لقد ابلغنا فرع الشؤون الإسلامية والأوقاف، ولكن لا مجيب". ويطرح قاسم سعيد عدداً من التساؤلات بهذا الخصوص:"إلى متى لا نتمكن من إقامة صلاة الجمعة؟ أين دور الجهة المعنية؟ هل يريدون أن نبقى على جهلنا؟". وعبر جابر قاسم عن فرحة السكان بحلول الإجازة الصيفية، إذ يعود إلى القرى عدد من أبنائها المهاجرين إلى المدن الكبرى، والذين لديهم تعليم جيد يتيح لهم إمامة المصلين. ويقول:"خرج المصلون قبل أسبوع، وكانوا سعيدين، لأنهم استطاعوا أداء صلاة الجمعة في ذلك اليوم، وكان حظهم كبيراً جداً بوجود احد الأشخاص، الذي عاد من المنطقة الشرقية، وكان يحسن الخطبة والتلاوة".