الطب مهنة من أشرف المهن. وهي خدمة إنسانية حينما يمارسها ذو ضمير متمكن من إجادتها. والأطباء كبقية المهنيين في المجالات العلمية، منهم العالِم الباحث ومنهم الممارس القادر. ونادراً ما يكون الطبيب عالماً باحثاً وممارساً مبتكراً، ولا يتحقق ذلك إلا للرواد الحقيقيين، كالدكتور ادوارد داني توماس الذي كان مقال الأسبوع الماضي عنه، وكشريكه في جائزة نوبل الذي سبقت الإشارة إليه في ما جاء في موضوع الأسبوع الماضي. ولعله من غريب الصدف، أن يتوفى الدكتور جوزيف موراي أبو نقل الكلى وبقية الأعضاء من الأصحاء أو الأموات إلى من يتعذر بقاؤهم أحياء من دون نقل الأعضاء، في اليوم ذاته 27/11/2012 الذي نشرت فيه"الحياة"مقالاً عن شريكه في جائزة نوبل في الطب في عام 1990، الدكتور داني توماس، وهو أبو إجراءات نقل النخاع لمعالجة شتى أنواع سرطانات الدم. كانت وفاة الدكتور موراي في مستشفى"برغهام"الشهير في مدينة بوسطن بعد أن بلغ 93 سنة، وهو المستشفى عينه الذي أجرى فيه ذلك الطبيب المتميز أول عملية لنقل إحدى كليتي أخ توأم سليم لأخيه المريض في عام 1954. ونجاح تلك العملية شجع الدكتور موراي وأطباء باحثين كان الدكتور مواري بالدرجة الأولى طبيباً ممارساً أكثر منه عالماً باحثاً على السعي الحثيث لإيجاد الأدوية التي تمكِّن من نقل الأعضاء بين الغرباء، فعلماء الطب أدركوا منذ الأربعينيات بأن أم الصعوبات في نقل الأعضاء، بل وفي إجراءات نقل النخاع، هي"الرفض"والمقاومة اللذين يولد بهما الأحياء لما يحاول الأطباء نقله، ثم"استنباته"في أجسام حية أخرى. وكثيراً ما يكون سبب الوفاة لمن تُنقل إليهم الأعضاء أو النخاع، هو ما ينشأ من أمراض أخرى عند محاولة استنبات ما تم نقله من إنسان إلى آخر حتى لو كان مطابقاً وراثياً بدرجات عالية، ولذلك تم تدريجاً استحداث الأدوية التي قللت خطورة رفض الأجسام البشرية لما ينقل إليها من خلايا أشخاص آخرين مهما كانت درجة تماثلهم الوراثية. وقد كان الدكتور موراي إنساناً قبل أن يكون طبيباً معالجاً، فقد درب العشرات من طلاب الطب على إجراءات نقل الأعضاء وجراحاته، حتى غدا مئاتٌ الآلافٌ من الأحياء الذين نقل إليهم وطلابُه قلباً أو كلية أو كبداً أو نخاعاً أو خلايا"جذعيةً"، يدينون بحياتهم بعد فضل خالقهم، إلى فضل أمثال الدكتورين توماس وموراي وطلابهم وطلاب طلابهم في كل مكان على وجه المعمورة. ولد الدكتور موراي في مدينة ملفرد في ولاية ماساتشوستس في عام 1919، أصل اسم هذه الولاية المعقد أتى من لغة الهنود الحمر الذين كانوا يسكنونها منذ آلاف السنين. وتخرج من كلية مغمورة تابعة للكنيسة الكاثوليكية. ثم حصل على قبول، كما الدكتور توماس شريكه في اقتسام جائزة نوبل، من كلية الطب في جامعة هارفرد. وتخرج في عام 1943 من كلية الطب. وبعد سنة من التدريب"السريري"في مستشفى"برغهام آند وومن"، انضم إلى الخدمات الطبية لقوات الجيش الأميركي في عام 1944. واضطراره إلى نقل خلايا جلدية من جثث القتلى إلى المصابين ممن شوهتهم إصابات الحرب، قاده إلى التفكير والبحث في احتمال نقل الأعضاء من الأموات إلى الأحياء، بالإضافة إلى نقل المزيد من الخلايا الجلدية لإصلاح التشوهات. وبعد نهاية الحرب في عام 1945 عاد الدكتور موراي إلى العمل في مستشفى"برغهام آند وومن"الذي كان ولا يزال الكثيرون من أطبائه أيضاً أساتذة في كلية الطب في جامعة هارفرد. وتدرج مهنياً حتى صار رئيس"مختبر بحوث الجراحة"في هارفرد. وفي عام 1971 ، استقال ذلك الطبيب الإنسان من رئاسة جراحة نقل الخلايا الجلدية في مستشفى"برغهام"، ليعبر عن اشمئزازه من تحول هذه الجراحة المهمة التي كان هو أهم روادها في حياة من شوَّهت وجوههم أو أطرافهم الحوادث والحروب، إلى مجرد"جراحة تجميلية". كان جل اهتمام الدكتور مواري بجراحة تشوهات الأطفال، بالإضافة إلى نقل الأعضاء. يقول طلابه وزملاؤه إنه كان رجلاً خلوقاً متواضعاً متفائلاً لم يتخلص من عفوية الطفل في داخله حتى بعد فوزه بجائزة نوبل. وكان يلبي أي دعوة للحديث ما دام الحديث لرفع معنويات المرضى أو إلى شباب الأطباء من ذكور وإناث. وكان كثيراً ما يردد لمن يلتقيهم من طلاب كليات الطب:"هذا هو أفضل الأوقات ليكون فيه أي شاب أو شابة طبيباً. فبإمكانكم يا أطباء الحاضر والمستقبل علاج أمراض لم يكن بالإمكان علاجها قبل سنوات قليلة". * أكاديمي سعودي