يقول صندوق النقد الدولي ان صناديق الاستثمار السيادية تملك مجتمعة ما بين ترليوني دولار أميركي وثلاثة ترليونات، وان مجموع الأموال التي ستكون بتصرفها مع حلول العام 2012 قد تصل الى 12 ترليون دولار. الصندوق يذكر عشرين من الدول التي تملك محافظ استثمار بينها الصين وسنغافورة والنروج التي سمعت وزيرة ماليتها كريستين هالفورسن تتحدث في اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس عن الموضوع. غير أن الاهتمام الحقيقي والقلق المصطنع والمواقف السلبية هي ازاء مؤسسات الاستثمار العربية التي أصبح اسمها فجأة صناديق سيادية، فقد كانت بين أبرز القضايا المطروحة في دافوس ولا تزال. بعد دافوس سمعنا أن الولاياتالمتحدة تريد وضع قواعد أو شروط، وربما قوانين، تحكم استثمار هذه الصناديق، وقد رفض المستثمرون العرب في حينه الفكرة بحجة ان القوانين الموجودة ستكفي وتزيد ومضى يوم كانت الولاياتالمتحدة فيه"أرض الفرصة"الا انها فرصة لليابانيين والصينيين، وليس للعرب. لا بد من أن القوانين كافية، الا ان واشنطن لم تفكر في زيادتها عندما كان الاستثمار العربي محدوداً، وانما عندما ارتفعت أسعار النفط، وأصبحت مؤسسات الاستثمار العربية تملك مئات بلايين الدولارات، وتستطيع أن تقتحم أي اقتصاد غربي يفترض أن يكون حراً ومفتوحاً للاستثمار الأجنبي ويرحب به. وكالعادة في مثل هذه القضايا، فقد تبع الاتحاد الأوروبي الولاياتالمتحدة فاقترحت اللجنة الأوروبية"نظام تعامل"مع الصناديق السيادية، أساسه أن يكون استثمارها تجارياً ولا تحكمه اعتبارات استراتيجية. وقال المفوض التجاري الأوروبي بيتر ماندلسون ان نظام التعامل المقترح سيكون تطوعياً هدفه المساءلة والشفافية. لا إنكار أن صناديق الاستثمار العربية كبيرة ولا بد من أن تزداد حجماً في السنوات القليلة المقبلة. وكانت الكويت سبّاقة في هذا المجال واشترت حصة في ديملر بينز مرسيدس ثم شركة البترول البريطانية بي بي وأرغمت في وقت لاحق على التخلي عن بعض اسهمها في الشركة البريطانية. غير أن صندوق أبو ظبي هو الأكبر الآن، ويتبعه صندوق قطر الذي يتقدم بسرعة هائلة، بفضل ارتفاع الإنتاج من الغاز والنفط وقلة السكان، وأيضاً صناديق المملكة العربية السعودية ودبي ودول الخليج الأخرى. هل مؤسسات الاستثمار العربية أحتاج شخصياً الى وقت لأتعود على عبارة صناديق الثروة السيادية سبب حقيقي للقلق الذي يتردد في العواصم الغربية، أم ان المشكلة هي أن هذه الصناديق لعرب ومسلمين"يغزون"أوروبا مرة أخرى، وإن اختلفت الوسائل ويهددون أميركا؟ بما أنني طرف فإنني احتكم الى"نيويورك تايمز"التي أظل اعتبرها أهم جريدة في العالم على رغم سوء أدائها في الحرب على العراق، فهي نشرت الأسبوع الماضي تحقيقاً طويلاً عن الاستثمارات الأجنبية في الولاياتالمتحدة كتبه بيتر غودمان وكان عنوانه: عندما يشتري الأجانب المصانع، مدينتان ونتيجتان. وباختصار، فشركة سيمنز الألمانية اشترت مصنعاً في مدينة هولاند، بولاية ميشيغان، ونجحت في إدارته وكسب السكان، وأن شركة الكترولكس السويدية اشترت مصنعاً في غرينفيل المجاورة، ثم أغلقته لعدم جدواه الاقتصادية ونقلت عملها الى المكسيك. لفتتني في الموضوع نقطتان: الأولى، أن الشركة السويدية تلقت دعماً محلياً ووعوداً بتسهيلات وإعفاءات، الا أنها وجدت في النهاية ان أجر العامل في المكسيك وهو 1.57 دولار في الساعة مقابل أكثر من عشرة دولارات للأميركي اغراء كاف لترك الولاياتالمتحدة. الثانية، ان المقال الطويل الذي تحدث عن الاستثمارات الخارجية في شكل عام، وأكد حاجة الاقتصاد الأميركي اليها، لم يذكر أي شيء عربي على رغم طوله، باستثناء اشارة عابرة الى رفض شراء دبي موانئ أميركية. أفهم من النقطة الأولى ان كل استثمار يجب أن يكون تجارياً لينجح، ومن النقطة الثانية ان العرب ليسوا أهم المستثمرين في الخارج كما يشاع عنهم. الثروة لم تأت من دون مشاكل، فهي تسببت في تضخم وغلاء وحتى بطالة تشكو منها دول عربية منتجة للنفط، ما يعني ان الدول غير المنتجة تنوء بها، وأنها تهدد بمشاكل اجتماعية، وربما بأخطار على الأمن الداخلي، والدول العربية بحاجة الى ترتيب بيتها قبل الاستثمار في بيوت الآخرين، وهي قادرة على ان تقوم بالمهمتين معاً.