يُقرأ أسبوع المعارك التي شهدها العراق بإحدى طريقتين: الأولى: لقد أظهرالعراق شعباً وجيشاً مقاومة باسلة. أظهر أن الوطنية العراقية موضع إجماع شامل. أن القومية العربية بألف خير. كذلك تبيّن أن الغزو الأميركي-البريطاني للعراق يعاني تصدعات كبرى. وربما كانت حاسمة. فما بين أم قصر وبغداد دُفّع المهاجمون ثمناً غالياً. حتى الفاو ربما كانت لا تزال جيوبها تقاوم. هذا ناهيك عن أخطاء فضائحية عسكرياً وتقنياً. وعن كتمان إعلامي غير مسبوق. أما الموقف من صدام فيبقى تفصيلاً. الموضوع الأساسي هو: التصدي للغزو. الموضوع الأساسي أن التصدي للغزو يعمل بكفاءة. فضيحة الفضائح هي المعارضة العراقية التي لم يُسمع لها صوت قياساً بصوت الشعب/النظام في العراق. الثانية: التفصيل إنما هو المبالغة في الخسائر الأميركية. المبالغة في الاستنتاج منها والبناء عليها. بطبيعة الحال لا تُخاض حرب من دون افتراض جيش آخر يقاوم. لكن الأساسي أن الولاياتالمتحدة لم تتبع القصف السجادي. إنها حريصة على عدم تكبيد المدنيين خسائر لأن الموضوع صدام ونظامه وحدهما. لهذا لم نشهد موجات نزوح سكاني حتى الآن. أما المقاومة فليست معياراً: المقاومون جنود صدام وحرسه. وهم رموز نظام تأسس على الخوف وتخويف السكان: بمجرد أن ينجلي تضعضع السلطة في بغداد حتى تظهر العواطف الفعلية لأكثرية العراقيين. وربما قبل ذلك: مع توسيع جبهة الشمال فيما تُدك سلطة بغداد. القراءة الأولى عيبها أنها تضع صدام بين هلالين. فيما تفيض استخلاصاتها "التاريخية" عن تجارب الأسبوع الماضي. إنها متلهّفة للتوكيد على أن القديم لا يزال ساري المفعول. القراءة الثانية عيبها مبالغاتها الايديولوجية: بعض تبسيطاتها دفعت الى الرهان على أصغر عدد من الجنود لأداء المهمة. والأهم: أن تلك التبسيطات عوّلت على "الجديد"؟ أكثر مما هو قائم في الواقع. أصحاب القراءة الأولى يريدون أن يهزموا الولاياتالمتحدة بأي ثمن كان. يريدون حملنا على نسيان مئات آلاف الضحايا التي تسبب بها صدام وحكمه. على نسيان دورهما في ما آلت اليه أمور العراق والعرب اليوم. أصحاب القراءة الثانية يريدون أن يهزموا صدام بأي ثمن كان. يريدون أن نشيح بأنظارنا بعيداً عن ضحايا مدنيين سقطوا وسيسقطون. عن محاولات سياسية لم تُجرّب. عن سوابق، كتخلي واشنطن في 1991، لا بد أن تترتب عليها آثار ونتائج. وراء القراءتين تلوح النتيجتان المحتملتان لحرب تولدت عن اثنين: المشروع الامبراطوري الأميركي بعد المشروع التوتاليتاري لصدام وبعثه: - إذا نجح الأميركان في إحراز انتصار كبير، ولو بكلفة ملحوظة: وراء هذا الاحتمال المرجح يقف شبح الهيمنة الكونية والتفرّد، الى أجل غير محدد، في صنع وجه العالم. - إذا لم ينجح الأميركان واستطاع صدام أن يبقى بصورة أو أخرى: وراء هذا الاحتمال غير المرجح يلوح استمرار مأساة شعب العراق. لقد وضعنا المشروعان الامبراطوري والتوتاليتاري أمام مأساة لا يبدو الخروج منها متاحاً في أي أفق.