تقرير "اليونيسيف" وجّه أصباع الاتهام إلى الحصار. تقرير كوفي أنان وجّهها إلى صدام ونظامه. التقريران يرتكزان على معطيات صلبة، وإلى وقائع أو أرقام. وكل من التقريرين يجد "حزبه" ومشايعيه بين الايديولوجيين. والايديولوجي، في النهاية، يهمّه أن يُثبت صحة وجهة نظره وأن يسفّه موقف خصمه، أكثر مما يهمّه التوصل إلى حل. فهو، تعريفاً، يستمدّ طاقته ونشاطه من المشكلة لا من الحل. لهذا ينبغي أن نقارب وضع العراق ومأساة شعبه وأطفاله على نحو غير ايديولوجي، غير ايديولوجي ما أمكن: فليس مهماً بذاته أن تكون أميركا هي المتسبّبة بموت أطفال العراق، وليس مهماً بذاته أن يكون صدام المتسبّب. المهم هو أن يتوقف موت الأطفال الناجم، على الأرجح، عن حكم صدام وحصار أميركا في وقت واحد. وبشيء من التبسيط يمكن قول التالي: حكم صدام وحده، على وحشيته دائماً وأبداً، لم يكن مختصّاً، قبل الحرب والحصار، بقتل الأطفال هكذا. والحصار الأميركي، أو غير الأميركي، لأمكنة أخرى في العالم، ما عاد يؤدي، منذ بدء الحداثة، إلى موت الأطفال بالأعداد والبدائية التي نراها في العراق. وهذا مع العلم أن الأمكنة المذكورة لا تتمتع ب"امتيازٍ" من نوع "النفط مقابل الغذاء". في هذه الحدود الانجازية، وليس لتسجيل النقاط، يكتسب الاتهام وظيفته، أكان المقصود به النظام، أم كان الحصار. فواشنطن وبغداد، مثل "حزبيهما"، تتبعان سلوكاً ايديولوجياً بامتياز: سلوكاً يحرّكه لدى كل طرف اتهام الطرف الآخر وإضعافه، أو إضعاف حجّته، مع وضع الأطفال في متناول النار التي يتبادلها الطرفان. وليس من السهل الدفاع عن النظام العراقي بالطبع. فحتى حلفاؤه الضمنيّون من العرب غير العراقيين، يجدون ذلك صعباً، فيتغافلون عنه كأنه عيب! ليركّزوا نقدهم على الحصار. وليس من السهل، بالمعنى نفسه، الدفاع عن جانب صخري وثأري في العقل السياسي الأميركي، صلّبته الحرب الباردة والصراع ضد الشيوعية كائناً ما كان الثمن، وغذّت شرايينَه الذهنيةُ الحدودية للغرب والجنوب الأميركيين. مع هذا فالحاسم عند الذي يريد تذليل المشكلة، لا تسجيل الموقف، يكمن في القدرات والاحتمالات العملية. فبين صعوبة أن يرضخ صدام لأميركا، وصعوبة أن ترضخ أميركا لصدام، هناك فارق القوة. وفارق القوة، إذا ما تساوى الطرفان في العناد، يجعل من المستحيل على أميركا أن ترضخ، ومن الممكن على صدام أن يفعل. لهذا ينبغي تركيز الضغط على إسقاط صدام، وهو المعنى الوحيد لرضوخه، وإرفاقه بالضغط لتغيير الرأي العام الأميركي... اللهم إلا عند الذين ينوون إسقاط أميركا! فإذا حصلت المعجزة وتغيّر الرأي العام الأميركي قبل سقوط صدام، فلا أحداً يعترض، إلا أن الواضح أن الحل على الجبهة الأخرى يبقى أقرب احتمالاً. هذا إذا كان الهدف فعلاً حلّ مشكلة أطفال العراق