بين تأكيد الدولة استمرارها في دعمه وتشكيك وزراء سابقين وخبراء كبار قبل أيام بعدم جدواه، يفقد مشروع توشكي الزراعي العملاق مساندة الرأي العام الذي بات حائراً. لكن ما استقر عليه رأي غالبية المصريين منذ بدء العمل فيه رسمياً عام 1997 وحتى الآن، هو أنه استنزاف للموارد على رغم نفي المشرفين عليه الذين أكدوا أن حماس القيادة السياسية له يأتي عن اقتناع كامل بأنه الأهم بالنسبة إلى المصريين على الإطلاق. ويزور الرئيس حسني مبارك مكان المشروع للمرة الثالثة عشرة سعياً إلى دحض شائعات بأن الدولة تعيد النظر فيه. ويجمع علماء ومتخصصون أنه مع استمرار النمو السكاني في مصر بالوتيرة العالية ذاتها، ستصبح الأراضي الزراعية الخصبة، في وادي ودلتا النيل، معرّضة للتصحر في شكل كامل خلال السنوات الستين المقبلة. وتمثل ظاهرة التصحر خطراً حقيقياً يتهدد البلاد، حيث تسببت الزيادة المطّردة في السكان، وما صاحبها من حاجة إلى وحدات سكنية. وربما أدى إلى ذلك كلُّه، حال التذمر من اهتمام الدولة بالمشروع لعدم اقتناع جزء كبير من المصريين بجدواه حتى الآن. وأطلقت الحكومة إشارة البدء بالمشروع الضخم أنفقت عليه حتى آذار مارس 2008 نحو 7 بلايين جنيه.في إطار البحث عن حلول جذرية لمشكلة التصحر وتناقص التربة الزراعية، وتوفير فرص عمل للشباب. وتقع منطقة توشكي الصحراوية في جنوب البلاد، 1300 كيلومتر من القاهرة. وتطلب المشروع الذي تقدر تكلفته بپ60 بليون يورو 95 بليون دولار، ضخ كميات هائلة من نهر النيل إلى الصحراء كي تتحول إلى تربة صالحة للزراعة، علماً أن 90 في المئة من السكان البالغ عددهم 79 مليوناً يعيشون في بقعة صغيرة من المساحة الكلية للبلاد هي وادي ودلتا النيل. لذلك عقدت الحكومة آمالاً على أن يجتذب المشروع قطاعاً واسعاً من الشباب، وبالتالي يغير نسبة توزيع السكان على المساحة الإجمالية التي لا تشكل سوى خمسة في المئة حالياً. إلا أن الخطوات الأولى فيه بدأت عام 1997، وأنشئت محطة ضخ ضخمة، على مسافة 70 كيلومتراً شمال معبد أبو سنبل. وتتكون من 24 مضخة عملاقة، ثبّتَت في بناء ضخم طوله 70 متراً وعرضه 140 متراً، وتضخ 25 مليون متر مكعب من المياه الموجودة في بحيرة ناصر خلف السد العالي إلى الصحراء يومياً، وتجري المياه في قناة الشيخ زايد، وهي القناة الرئيسة التي تحمل اسم ممولها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الإمارات السابق، لتصل إلى توشكي الصحراوية ثم تتفرع إلى أربع قنوات، تروي كل منها 80 ألف هكتار من الأراضي. وتوقعت الحكومة أن تنشأ في المنطقة 18 قرية ومدينة جديدة بحلول 2017، ما يعني تشكيل مركز جذب سكاني جديد. وبذلك يحقق المشروع زيادة في الرقعة الزراعية، مصحوبة بزيادة في صادرات الإنتاج الزراعي، ما يساعد في تقليص العجز في الميزان التجاري، ويوفر فرص عمل للكثير من الشباب خصوصاً من صعيد مصر، فيخفف الضغط البشري على وادي ودلتا النيل. انتقادات إلا أن المشروع واجه انتقادات من جهات وأحزاب معارضة، إلى خبراء كثر يفضلون استثمار الأموال المخصصة للمشروع في تنمية الوادي والدلتا القديمين، بدلاً من إهدار المياه في الصحراء، لأنه يتوجب ضخ 10 في المئة من مياه النيل إلى الصحراء، كي يؤتي المشروع ثماره، وهو إجراء له سلبيات على أكثر من صعيد. فبداية ستتأثر تركيبة النهر من عملية الضخ، حيث ستزيد نسبة ملوحة الماء تدريجاً، وهو لوحظ بالفعل في منطقة دلتا النيل. على صعيد آخر تؤدي عملية الضخ إلى الإخلال بنسب توزيع مياه النهر بين الدول التي يمر بها، فالدول الإفريقية الواقعة في حوض النيل، مثل السودان وأثيوبيا، تتوقع زيادة عدد سكانها، وبالتالي تغيير حصتها الحالية من مياه النهر. واستمرت الانتقادات خلال السنوات العشر الأخيرة. ردود حكومية وشبه وزير الري محمود أبو زيد، الانتقادات بمثيلاتها للمشروعات القومية، ذات البعد الاستراتيجي. وعزاها إلى تعجل المصريين النتائج، علماً أن المشروع ينمّي540 ألف فدان وهي مساحة تزيد على مساحة محافظتين، ويحتاج إلى سنوات طويلة وبنيان ضخم وأساس متين وهيكل متشعب لإعداده تدريجاً. وعن استنزاف المشروع موازنة الدولة نفى الوزير قائلا:"بلغت قيمة الأعمال المنفذة للبنية القومية والتحتية منذ بداية المشروع في 1997 وللآن سبعة بلايين جنيه من، ضمنها 100 مليون دولار منحة قدمها الراحل الشيخ زايد، وخصّص تمويل المشروع من موازنة الوزارة بمتوسط 600 مليون جنيه سنوياً. واعتبر الوزير أن المشروع أقل تكلفة من أمثاله، إذ بلغت تكلفة استصلاح الفدان الواحد من أعمال البنية التحتية للري في توشكي 10 آلاف جنيه، وهي تكلفة مقبولة جداً بالنسبة لأعمال استصلاح الأراضي بل هي أقل من مثيلاتها من مشروعات الاستصلاح على ضفاف الوادي والدلتا التي تتطلب الرفع المتتالي للمياه مثل مناطق كوم أمبو وأدفو وغرب إسنا وسمالوط ووادي النقرة ووادي الصعايدة الذي بلغت كلفة الفدان فيه على سبيل المثال عام 1985 نحو 18.5 ألف جنيه.