اللسان هو الناطق المعبر عن الإنسان. وعند انطلاقه من عقاله يبث آراء وأفكاراً على ضوئها تكون ردود الفعل سلباً أو إيجاباً تأييداً أو معارضة. وهو كذلك ترجمان صادق للفكر والعاطفة، وبقدر ما يتحكم الفكر بعملية التعبير، تكون أخطار الانزلاق قليلة. أما إذا كانت العاطفة صاحبة السلطة فإن خطر الجنوح والتهور يكون كبيراً. وأصحاب الرأي والسياسة ملزمون أكثر من غيرهم بالتحكم في ما يقولون لأن لكلماتهم وتصريحاتهم تأثيراً في مجريات الأمور، إذ هي قادرة على خلق جو من التوتر والخلافات، وكم أدت إلى حروب ومنازعات وسببت الكوارث والمحن. كالذي حاصل في لبناننا، الذي فتح في الماضي أبوابه وأرضه وأفكار أبنائه ومثقفيه أمام المزاد العلني، فتدفقت الأموال لشراء الزعامة، والضمائر، والصحف والأقلام لخدمة دول أجنبية وزعامات غريبة، حتى اصبح لهذه الزعامات نفوذ كبير في تقرير أوضاع لبنان الداخلية. اعتمد لبنان في كيانه على ركيزة التوزيع الطائفي للمناصب والوظائف والمصالح، التي انفجرت في الماضي وما زالت تحت ضغط العناصر الغريبة والأجنبية الطامعة في لبنان، والتي استغلت ذلك للوقيعة وإثارة النعرات الطائفية، حيث دفع الثمن غالياً جداً، وهيهات أن نجد الدواء يضمد الجراح ويعيد الأمور إلى نصابها. كم من الصحف ووسائل الإعلام تمد القارئ والمشاهد والمستمع بتصريحات أبواق السياسيين وأحاديثهم، وكم من مرة ينشر التصريح ليعقبه التكذيب والنفي، أنه لم يفهم على حقيقته، أو أنه حُرِّف، والمواطن العادي الذي يشاهد ما يجري على المسرح الاجتماعي والسياسي يحتار في ما يصدق وفي ما يكذب. لقد دفع بعض الزعماء السياسيين في العالم ثمناً باهظاً لزلة ألسنتهم بقصد أو بغير قصد، ما أدى إلى سقوطهم وفشلهم وربما تركهم المسرح السياسي. لا ندعو الى الصمت، ولكن على أصحاب الرأي أن يدركوا بأن ما يقال لا يعود ملكاً لهم، وإنما ملك المجتمع الذي من حقه أن يقبله أو يرفضه أو ينتقده أو ينبذه. لأن اللبناني لم يعد يحتمل، والجرح العميق الذي أصاب تقريباً كل بيت لبناني، لن يندمل بسهولة. بعدما كان اللبنانيون يعتزون بوطنهم على أنه مهد الحضارات والثقافات على مر الزمن وهو ملجأ البؤساء والتعساء والهاربين من الجور والظلم أصبح لبنان الممزق والمحترق كومة من الحقد والكراهية والبربرية. نأمل من أصحاب الرأي والسياسة أن يفكروا قبل أن يتحدثوا ويصرحوا، حتى نوفر على أنفسنا الكثير من المتاعب والتشنج. قال الشاعر: تحفّظ من لسانك فهو عضو أشد عليك من وقع السنان فلا والله ما في الخلق خلق أحق بطول سجن من لسان ريما منذر - بيروت