تصريحات الرئيس المصري عن ولاء الشيعة العرب اثأر استياءً شيعياً عارماً وعاماُ، وأعربت مرجعيات وزعامات عن انزعاجها من كلام الرئيس مبارك، بعضها طالب بتوضيحات وآخر باعتذار. لكن الرئاسة المصرية تعاملت بهدوء تام مع القضية، ولم تصدر حتى أي تصريح يوحي بالاعتذار، ويبدو أن تجاهل الاعتذار نابع من قناعة الرئاسة المصرية بأن الرئيس لم يكن يقصد تخوين الشيعة بهذا التصريح، ولسان حالها يشير إلى ان الرئيس اراد بهذا التصريح القول ان الولاء للمرجعيات الدينية لا ينفي الولاء أو يتعارض معه. فولاء الدروز في إسرائيل لوليد جنبلاط لا يشكك بولائهم لاسرائيل، وولاء الزعامات اللبنانية السنية للسعودية لا يقلل من وطنية هذه الزعامات، فمنذ رياض الصلح بطل الاستقلال، وحتى رمز البناء والتعايش الشهيد رفيق الحريري كانت هذه الزعامات ولا تزال تحسب لخاطر السعودية حساباً، وتتشاور معها حول التوجهات السياسية اللبنانية ولم يستطع أحد ان يشكك بولاء هؤلاء الرجال ووطنيتهم للبنان، كما ان علاقة السيد حسن نصرالله بإيران والمرجعيات الدينية في قم لم تمنع اللبنانيين والعرب من وصفه ببطل المقاومة... ولا أريد هنا أن أقدم مسودة اعتذار نيابة عن الرئاسة المصرية لكني أحاول تفسير ما جرى. بصرف النظر عن الخطأ والصواب، والطريقة التي عرض بها الرئيس مبارك التصريح فإن ما قاله مبارك لقناة"العربية"كان تعبيراً موضوعياً عن الناس، فللمرة الاولى يتحدث زعيم عربي بهذا الوضوح، ولهذا يجب ان نوقف هذا التكاذب في رد فعلنا على ما قاله الرئيس مبارك، ونقرأ التصريح ليس باعتباره زلة لسان تستوجب الاعتذار، وإنما لأنه كلام نردده نحن في ما بيننا منذ زمن طويل وآن أوان نقله من الصدور والغرف المغلقة إلى العلن. فما قاله الرئيس مبارك يشكل قناعة راسخة عند قطاعات عريضة في الشارع السني العربي، بل أن هذه القناعة هي عينها التي حكمت العلاقة بين الشيعة العرب والأنظمة السياسة في المنطقة على مدى عقود، فضلاً عن أن هذه القناعة تمثل واقعاً عند قطاعات عريضة من الشيعة العرب. ونحن هنا لسنا في وارد شرح أسباب ودوافع هذا الموقف من الشيعة العرب، لكن المزايدة بالوطنية والوحدة على الرئيس مبارك لن توقف هذا التعصب، ولن تعالج هذا التدهور بين السنة والشيعة، ولن تسمح لنا بمعالجة الأزمة التي تنذر بحرب طائفية تمتد من باكستان الى اليمن. لا شك في ان رد فعل القطاعات الشعبية على تصريح الرئيس مبارك كان طبيعياً ومفهوماً، ويجب تقبله والتفاهم معه مهما كانت درجة غضبه، خصوصاً ان الرئيس لم يقل بعض الشيعة وإلا لهان الأمر بعض الشيئ، ولهذا فمن حق الوطنيين العرب المنتمين للمذهب الشيعي ان يغضبوا اذا وصفوا بأنهم يقدمون مصلحة ايران على مصلحة وطنهم، فتخيل مشاعر المواطن العراقي الشيعي الذي قاتل دفاعاً عن وطنه خلال الحرب العراقية - الايرانية. لكن غير المفهوم، وغير المبرر هو رد فعل الحكومة العراقية، فهذه الحكومة التي تطالب الرئيس مبارك بالاعتذار تمارس تناقضاً صارخاً ومخجلاً، فهي التي وافقت على الحوار بين أميركا وإيران للبحث في الشأن العراقي، ولم يكن لها أي تحفظ او شروط اللهم إلا أنها طلبت من واشنطن وطهران ان يجري الحوار بين الطرفين على الأرض العراقية على اعتبار ان القضية التي يناقشها الطرفان تتعلق بالعراق، فضلاً عن ان هذه الحكومة رفضت التحفظ العربي على هذا الحوار معتبرة ان حضورها بصفة مراقب لا حول له ولا قوة يعتبر تمثيلاً للعرب، ناهيك عن محاولة بعضهم اخراج العراق من محيطه العربي خلال وضع الدستور. الأكيد أن خطأ كبيراً حكم العلاقة بين الشيعة والسنة العرب منذ قرون. والرئيس مبارك فتح بتصريحاته هذه باب الحوار حول هذا الخطأ، وقال الكلام الذي كنا نستحي ان نقوله منذ معركة كربلاء، وعوضاً من صب جام غضبنا على التصريح وصاحبه، علينا ان نفتح سجلاتنا ونطرح الاسئلة المشروعة عن اسباب التهميش الذي يشعر منه الشيعة، وعن سر الغضب الشيعي في العراق، وعن سر تعلق بعض الشيعة العرب بأيران؟ وسر الفتور بين الشيعة والسنة في البلاد العربية، وسبب الاشكالات بين الشيعة والانظمة؟ علينا ان نسأل النجف عن الحصار الذي فرض عليها على مدى ثلاثة عقود، ونسأل قم لماذا حاولت أن تحل محلها... بهذه الأسئلة بجب أن نتعامل مع تصريح الرئيس مبارك.