ماذا لو ان جون كنيدي نجا من الاغتيال، وان محاولة اغتيال رونالد ريغان نجحت؟ سألت نفسي هذا السؤال بعد ان قرأت مادة كثيرة في الذكرى الخامسة والعشرين لمحاولة اغتيال ريغان في 30 آذار مارس 1981، وهي مادة أعادتني الى اغتيال الرئيس كنيدي في 22 تشرين الثاني نوفمبر 1963، فقد كنت شاهداً على اثنين من أهم أيام التاريخ الأميركي الحديث. كنت طالباً في الجامعة في بيروت، وأعمل محرراً في وكالة رويتر أملاً بجمع ما يكفي من المال لشراء سيارة فولكسواغن، ولم أكن قد أصبحت بعد"رئيس نوبة"، ومع ذلك فقد سلمت نوبة المساء ذلك اليوم الذي وافق ذكرى عيد الاستقلال اللبناني، وكان العمل ليلاً يناسبني لأنني أذهب الى الجامعة في النهار. كانت الأخبار قليلة وغير مهمة، وعندما تجاوزت الساعة السابعة مساء بتوقيت بيروت، أخذت أفكر في ما أطلب للعشاء، عندما نظرت مرة أخرى الى شريط الأخبار المملوء بالثقوب، بحسب تكنولوجيا تلك الأيام، ولاحظت كلمة"فلاش"مكررة ثلاث مرات، وهي كلمة لم أكن رأيتها من قبل في تصنيف أهمية الأخبار على رغم انه مضى عليّ أكثر من سنة في تلك الوكالة العريقة. وقرأت بعد ذلك خبراً مقتضباً من دون مصدر لا أزال أحفظ كلماته حرفياً هو: أطلقت النار على الرئيس كنيدي وهو يركب في موكب سيارات. وتدفقت علينا الأخبار من دالاس بعد ذلك، ولم أترك المكتب حتى الصباح مع ان نوبة المساء كانت تنتهي في منتصف الليل، وكنت عائداً مشياً الى بيتي في رأس بيروت، ومررت ببائع صحف فاشتريت كل الجرائد المعروضة، وأذكر ان عنوان"النهار"كان"قاتل كنيدي كاستروي شيوعي". في 30/3/1981 كنت انتقلت الى واشنطن للدراسة في جامعة جورجتاون، مع احتفاظي بالعمل الصحافي. وكان مكتبي في مبنى ملحق بفندق ماديسون، وقد مللت الطعام هناك كل يوم فاقترحت على صديق ان نذهب الى فندق"واشنطن هيلتون"للغداء، مشترطاً عليه ان نمشي ذهاباً وإياباً، فالمشي كان رياضتي المفضلة ولا يزال. وفوجئنا عندما بلغنا دائرة"ديبونت"بوجود شرطة اضافية، وأكملنا السير ورأينا زحاماً مع اقترابنا من الفندق، ورجال أمن. وقيل لنا ان الرئيس ريغان في الفندق، فقررنا العودة ونحن على بعد مئة متر من هدفنا، خشية ان نكمل فنمنع من الدخول أو لا نجد مكاناً في المطعم. جلست مع الصديق في مطعم/ مقهى فندق ماديسون للغداء، فلم تنقض نصف ساعة أو نحوها حتى همست خادمة في أذني ان الرئيس ريغان أصيب في محاولة لاغتياله، وهو يغادر"واشنطن هيلتون". وأسرعت الى مكتبي في المبنى الملاصق للفندق، لمتابعة الخبر عبر التلفزيون ووكالات الأنباء. ووجدت ان ريغان نقل الى مستشفى جامعة جورج واشنطن التي كانت تبعد بضعة أمتار عن شقتي في العاصمة الأميركية. وأعود الى سؤالي عما كان سيحدث أو عن شكل التاريخ الأميركي لو ان كنيدي نجا وريغان قتل. أرجح ان أميركا ما كانت تورطت في فيتنام في الشكل الذي جرها اليه ليندون جونسون، فقد كان هذا نائب الرئيس، وخلف كنيدي في البيت الأبيض، ولا بد من أن قراء كثيرين يذكرون صورته وهو يقسم اليمين الدستورية، والى جانبه جاكلين كنيدي بثوبها الزهري اللون الذي بدا وعليه بقع من دم زوجها. جونسون فاز بالرئاسة سنة 1964، عندما هزم اليمين باري غولدووتر، إلا انه اتبع سياسة من نوع ما دعا اليه غولدووتر في حملته الفاشلة للرئاسة. وراح في حرب فيتنام مئات آلاف الضحايا، وتجاوز القتال والقتل الحدود الى كمبوديا وغيرها، وكان بين الضحايا أكثر من 50 ألف أميركي، وشهدت أميركا معارضة هائلة للحرب، وثورة للطلاب في الولاياتالمتحدة وأوروبا، والتظاهرات الأخيرة في فرنسا تذكرنا بثورة الطلاب هناك سنة 1968. تقرير لجنة وارن قال ان لي هارفي أوزوالد تصرف وحيداً، وقتل كنيدي برصاص بندقيته من الطابق السادس في مبنى مستودع كتب مدرسية. غير ان الاميركيين لا يزالون يتحدثون حتى اليوم عن مؤامرة. أصحاب فكرة المؤامرة وجدوا مادة أقل لإطلاق خيالهم في المحاولة على رونالد ريغان، فقد أطلق جون هنكلي ست رصاصات على الرئيس وهو يغادر الفندق واستقرت واحدة منها في رئة الرئيس، وأصيب اثنان من رجال الأمن المرافقين، وكانت أسوأ إصابة هي ما تعرض له الناطق الرئاسي جيم برادي، فقد استقرت رصاصة في رأسه وأصابته بشلل نصفي. كان رونالد ريغان في السبعين من عمره عندما أصيب، وهو بقي في البيت الأبيض على امتداد ولايتين تسلل اليهما المحافظون الجدد امثال بول وولفوفيتز وريتشارد بيرل، حيث بدأوا التآمر على العرب والمسلمين في كل مكان خدمة لإسرائيل حتى انتهينا بالحرب على العراق التي قاد عصابتها ديك تشيني ودونالد رامسفيلد اللذان كانا سيطرا على ادارة جيرالد فورد الضعيف، في حين سيطر الليكوديون على ادارة ريغان المسن الخرف، واعتبروه ولا يزالون عرّاب حركتهم المحافظة. لو ان ريغان راح ضحية هنكلي لجاء جورج بوش الأب رئيساً، وهو لا يخدع ونقيض ابنه الجاهل الذي وجد فيه المتطرفون ضالتهم فأداروا الحكم باسمه. وأترك القارئ يفكر معي كيف كان تاريخ أميركا سيكتب من دون ليندون جونسون وحرب فيتنام، أو من دون جيرالد فورد الضعيف الذي وصل الى الحكم بعد استقالة ريتشارد نيكسون، ومن دون ريغان الممثل من الدرجة الثانية والسياسي من الدرجة الثالثة، حتى وصلنا الى جورج بوش الابن وجهله الى درجة ان يعتقد انه ربح الحرب في العراق.