"ليس مذنباً". كان هذا هو الحكم الذي صدر على الشاب الاميركي الذي حاول اغتيال الرئيس رونالد ريغان يوم 30 آذار مارس 1981، في وقت كان ريغان يعيش فيه ازدهاره كواحد من اكثر الرؤساء شعبية في الولاياتالمتحدة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ومع هذا يعرف الجميع ان الشاب كان مذنباً، وانه اطلق رصاصاته الست صوب ريغان ومرافقيه عن تصور وتصميم، وأن قصده الواضح كان - تحديداً - قتل الرئيس والتخلص منه. لماذا؟ لن يعرف أحد ابداً. المهم في الامر ان شهوراً من التحقيقات والمحاكمات والمداولات، اسفرت في النهاية عن "تبرئة" المتهم. وذلك امام استغراب العالم كله. مهما يكن في الامر، فان أحداً، يوم جرت محاولة اغتيال ريغان، ما كان ليتصور ان المتهم الذي قُبض عليه في اليوم نفسه، سوف يعلن "غير مذنب"، بل ان كثيرين لم يهتموا في ذلك اليوم بمصير ذلك المتهم الشاب. كان الاهتمام متركزاً على الرئيس نفسه. ريغان الذي كان من الصعب ان يتصور أحد ان تجري محاولة لقتله، حتى ولو كان الرجل من النوع الاستفزازي الذي يجعل كثيرين يفكّرون بالتخلص منه. جرت المحاولة، اذن، فيما كان رونالد ريغان خارجاً من فندق، كان في قاعة من قاعاته مجتمعاً بعدد من قادة النقابات يتحدث اليهم. في ذلك الحين كان ريغان في السبعين من عمره، ومع هذا فانه ما ان سمع صوت طلقات الرصاص وأدرك انه المُستهدف، حتى تصرف بكثير من الشجاعة والمرونة. علماً بأن واحدة من الرصاصات الست التي أُطلقت اصابته على بعد نحو 10 سنتيمترات من قلبه. ولكن سوف يتضح بسرعة ان الاصابة طفيفة وان القاتل لم يتمكن من ضحيته. القائم بالمحاولة كان شاباً في الخامسة والعشرين من عمره يدعى جون هنكلي . وهو يعمل كمنسّق اسطوانات في نادٍ ليلي. ولسوف يتبين انه ابن لواحد من كبار العاملين في شركات النفط في دنفر، وانه كان طالباً في جامعة "يال" العريقة قبل ان يقرر، من تلقائه وضد ارادة ابيه، ان يتوقف عن الدراسة ويهجر الحياة العائلية ليلتحق بذلك العمل المتواضع، الذي كان من شأنه ان يبقيه مغموراً الى الأبد، لولا الشهرة العالمية التي هبطت عليه فجأة اثر تلك المحاولة التي قام بها لتكرار ما كان حدث قبل ذلك بأكثر من عقد ونصف العقد من السنين، يوم جرى اغتيال جون كنيدي. الرصاصة التي اصابت رونالد ريغان سيتم استئصالها بسرعة في مستشفى "جورج واشنطن" القريبة من مكان وقوع الحادث. وعلى الفور سيعلن الاطباء ان حال الرئيس مستقرة، وان آماله بالشفاء السريع ممتازة. وهكذا كان بالفعل. فور سماعهم بالنباء هرع الى المكان، ومنه الى المستشفى في ذلك اليوم، كبار موظفي البيت الابيض، اما السيدة نانسي زوجة الرئيس فقد اقتيدت الى المستشفى بسرعة وعلى محياها امارات القلق، غير انها ما ان وصلت الى المكان الذي مدّ فيه ريغان، حتى فوجئت به يضحك ساخراً مما حدث له، واخذ يردد متفكهاً عبارات مستعارة من افلام الثلاثينات الهزلية العاطفية. وهو اكمل دعاباته بعد ذلك حين اجتمع من حوله الاطباء والممرضون الذين سيجرون له العملية اذ قال لهم: "انني آمل، ايها الشبان، ان تكونوا جميعاً من اعضاء الحزب الجمهوري". اما الحادثة نفسها فقد وصفتها تقارير الشرطة على النحو التالي: "كان الرئيس قد خرج لتوه من الفندق متجهاً نحو سيارته مع مرافقيه محيياً الجماهير التي احتشدت لتحيته وفجأة خرج من بين الجموع الشاب جون هنكلي الذي اطلق على الرئيس ست رصاصات، من حيث كان يقف على مبعدة ثلاثة امتار منه. وعلى الفور هرع رجال الامن واعتقلوا هنكلي بعد ان اسندوه الى جدار مجاور، فيما كان واحد من رجال الشرطة السرية يضع الرئيس في سيارته ويقوده مباشرة نحو المستشفى. ولقد تبين ان اطلاق النار جرى بواسطة مسدس من عيار 22". في الصورة رجال الامن يعتقلون مطلق الرصاص. فور ذيوع النبأ اغلق الكونغرس ابوابه وكذلك علّق شارع المال وول ستريت نشاطاته. اما الحكومة فاجتمعت على الفور. والطريف ان الكسندر هيغ وزير الخارجية، ارتكب اثر جلسة الحكومة غلطة دستورية فادحة، حين اعلن امام الصحافيين انه، هو وزير الخارجية، المهيمن على الامور، بعد الرئيس ونائب الرئيس. والحقيقة، التي لفته اليها الصحافيون فوراً فاعتذر، هي ان رئيس مجلس النواب، هو الثاني، في تسيير شؤون الحكم، بعد نائب الرئيس تبعاً للدستور. ولقد أُخذ على الكسندر هيغ في حينها ايضاً انه ظهر على شاشة التلفزة وتحدث عن الموضوع بشكل أرعب المتفرجين وجعلهم يقلّقون على وضع الرئيس، في وقت كان فيه هذا يتعافى ويبدأ… بنسيان ما حدث!