تزدهر الحركة الفنية التشكيلية في مدينة جدة، وتختلف اتجاهات الفن لتستوعب قضايا الإنسان المعاصر، وسط فوضى العصر. وفي أتيليه جدة للفنون افتتح المعرض الشخصي الأول للفنان باسم الشرقي. وفي معظم أعمال الشرقي تحضر السيارة لتعطي الانطباع عن هوسه بهذه المركبة، شأن أي شاب مولع بالسيارات. غير أن الحقيقة عكس ذلك، إذ أنها تحضر كشكل"هندسي مستطيل وممكن أن يكون مربعاً، وما هي إلا مسألة شكلية تشكيلية". وفي إحدى اللوحات، يصور الفنان مجموعة كبيرة من السيارات، في لوحة تشبه مقبرة جماعية للمركبات، في تناسق للألوان. وبطبيعة الحال، كانت الأعمال الفنية صادمة للكثير من رواد المعرض، وكان التعليق السائد:"هي روح غربية لا شيء فيها يدل على ثقافتنا، أو على الموروث العربي". واللافت أن الشرقي كان ينطلق في أعماله من"فن البوب"، ولأن هناك شبه أمية فنية"تتفشى في أوساط الفنانين قبل المتلقي، فإن هذا المسعى الفني الجديد، لم يتم تمييزه سوى من زوار قلائل، مثل الفنان عبدالله إدريس الذي قال :"يحمل هذا الفنان الشاب تكويناً قوياً في أدائه التقني، وشفافية مطلقة في مخيلته الجمالية. اقترابه من الثقافة والوعي بالمرحلة التاريخية الراهنة، دفعه إلى إعادة قناعاته بالنسبة الى المفهوم الجمالي، مع إدراكه أنه لا يتعارض مع القيم التشكيلية المكتسبة لديه، والتي جاءت نتيجة ممارسته المستمرة". وأضاف:"انه يفاجئنا بنقلات مفصلية، معتمداً على المفهوم القائل أن ليس هناك حقيقة ثابتة ونهائية، وبالتالي يعطي نفسه حرية الاتجاه نحو أفق متحرك وفتح نافذة على التيارات والمعطيات الأكثر حداثة". يعبر اشتغال الشرقي عن قوة في التقنية، مثل استخدامه أعمال الطباعة والملصقات، وإدخال الألوان القوية، معطياً إحساساً بفن الغرافيك"ديزاين"الذي يهدف إلى الدعاية لأي منتج استهلاكي، بصورة فنية، متماشياً مع"فن البوب". كما راح يكرر صوراً عدة من إطارات السيارات المتفككة، ووجوه النساء التي وضعها في جسد ألعاب عدة من السيارات. والوجوه لفنانات أمثال جنيفر لوبيز كريستينا وغيرهن على سطوح المركبة، إضافة إلى عبارات عناوين، وعبارات أخرى كالحركة والتنظيف، وأرقام 70-08-90 كرمز للسرعة على الخطوط، أو كدليل على أوامر سير وانضباط. ويقول الشرقي حول تجربته:"لقد تأثرت بالفنان ندي وارهل، رائد"فن البوب". وهو فنان أميركي ينطلق من مبدأ أن"فن البوب"فن جمهور معروف بالطباعة، وهو أول من أدخل تقنية الطباعة. وراهل ليس فناناً تشكيلياً فقط، بل مصمم إعلانات وديكور. وما يميز هذا الفن هو التكرار، ويعني الاستهلاك مثل استهلاك السلع التي تستخدم هنا لترسيخ الذات. ومن هنا فأنا أقصد التعبير عن هذا الزمن الذي من مظاهره موضة الشباب اليوم في ارتداء"تي شرت"مطبوع عليه صور وكتابات واقعية أو عصرية، وقصات الشعر والجينزات، وغيرها من التقليعات. نحن في زمن أصبحت الثقافة فيه كتلة واحدة، ثقافة الخارج لا تنفصل عن ثقافة الداخل". أخيراً نجح الشرقي في تقديم عناصر جمالية، تجعل من عمله الفني موضوعاً مميزاً، في اتجاه لخّص نفسية المتلقي، بألوانه وتأثير الدعاية والإعلان في فكرة طرح السلعة أو الفكر الإنساني في شكل عام. والمعرض يعبر عن ضجة الحياة، في استيعاب لجميع المهارات والفنون فيها، وصولاً إلى المحرك الروحي لموسيقى الذات.