رأى أسامة بن لادن الجيش السوفياتي عالقاً في الفخ الأفغاني. رأى الكرملين يتخبط في حرب لا يمكن حسمها بالضربة القاضية ولا إعلان الانتصار فيها. رأى موسكو ترتبك بفعل استنزاف بشري ومالي يشمل أيضاً الهيبة والعلاقات الدولية. وشاهد"الجيش الأحمر"ينسحب خاسراً. وشاهد الامبراطورية تنفجر وتتناثر. خرج أسامة بن لادن بجملة استنتاجات. باستطاعة مجاهدين الانتصار على آلة عسكرية هائلة لقوة عظمى. يمكن استدراج امبراطورية الى مسرح صعب وكسر إرادتها. وعلى دوي المواجهة يمكن استقطاب أجيال جديدة. وبعد معمودية النار يرجع"الأفغان"الى بلدانهم في صورة ألغام تتحين موعد الانفجار. التفت أسامة بن لادن الى معسكرات المجاهدين أكثر مما التفت الى المشهد الدولي الذي سهّل الانتصار. عالم المعسكرين ورغبة البيت الأبيض في تدفيع الكرملين ثمن الخطيئة التي ارتكبها ليونيد بريجنيف بتحريك البيادق أبعد مما تتيحه قوانين اللعبة. لم يتنبه أسامة بن لادن الى الدور الذي لعبته الدول الإسلامية في توفير شروط الانتصار. في عالم آخر حاول تكرار السيناريو. في 11 أيلول سبتمبر نقل الحرب الى الأرض الأميركية مستهدفاً رموز النجاح والهيبة. أغلب الظن أنه كان يحلم بايقاع الجيش الأميركي في الفخ الأفغاني لإثخان الامبراطورية واذلالها وتفكيك هيبتها. ولم يكن الغرض البعيد سراً. ارغام الولاياتالمتحدة على الانسحاب من العالم العربي والإسلامي للتمكن من اسقاط الأنظمة الصديقة لها. كان الغرض ضرب علاقات العالم الإسلامي بالولاياتالمتحدة واشعال خط تماس بين المسلمين والغرب. اختيار انتحاريي 11 أيلول لم يكن صدفة. على رأس لائحة الأهداف العلاقات السعودية - الأميركية والسعودية نفسها. كانت هجمات 11 أيلول بطبيعتها وأهدافها وهوية من يقف وراءها من قماشة الضربات التي تكفي لاطلاق حرب عالمية وهي انطلقت فعلاً. أتاح التطور التكنولوجي للولايات المتحدة اسقاط نظام"طالبان"من دون خوض معارك برية كان يشتهيها زعيم"القاعدة". لكن إدارة جورج بوش التي أطلقت"الحرب على الإرهاب"مدعومة بتأييد أميركي كاسح وتعاطف أوروبي ودولي أخذت الحرب في وجهة أخرى بعد نجاحها في المحطة الأفغانية. أخذت الحرب الى قلب الشرق الأوسط. سحقت نظام صدام حسين من دون التنبه الى أن زرع الديموقراطية في التراب العراقي أكثر تعقيداً من تجربة زرعها في المانيا أو اليابان. وهكذا تحول العراق الساحة الأولى في الحرب على الإرهاب، والساحة الأولى في محاولة تنفيذ سيناريو استنزاف القوة العظمى الوحيدة. لم تؤد"الحرب على الإرهاب"الى اقتلاع"القاعدة"، ولم يكن مقدراً لها أن تفضي الى هذه النتيجة. فهذه الحرب مختلفة. العدو فيها بلا عنوان واضح. يمكن أن يطل فجأة في عاصمة قريبة أو بعيدة ويدميها. وهذا ما فعلته"القاعدة"في السنوات الأربع الماضية. لكن ذلك لا يلغي أن"القاعدة"وجدت نفسها مطاردة وفي موقع الدفاع، وان التغييرات التي أدخلتها دول عديدة على قوانينها تضاعف الصعوبات أمام احتمال تنفيذ الهجمات. بعد أربع سنوات يمكن القول إننا لا نزال في خضم الحرب الطويلة. تكبد العالم بفعل مناخات 11 أيلول خسائر اقتصادية هائلة. وظهرت في الأسابيع الماضية مؤشرات على نجاح"طالبان"و"القاعدة"في لملمة الصفوف في أفغانستان تمهيداً لمعاودة الهجمات. تحول أبو مصعب الزرقاوي لاعباً بارزاً على رقعة الشرق الأوسط وسدد الى الأميركيين والمؤسسات العراقية الجديدة ضربات موجعة. لكن"القاعدة"منيت في المقابل بفشل واضح في حلقتين حاسمتين بالنسبة إليها وهما السعودية وباكستان. في هذا السياق، يمكن اعتبار الاختيار العراقي حاسماً. أي انسحاب أميركي يترك ل"القاعدة"ملاذاً آمناً في بلاد الرافدين سيعني أن السيناريو الذي كان وراء هجمات 11 أيلول يمكن أن يعطي ثماره، وإن اختلف المسرح الأصلي. في المقابل، فإن أي صيغة تحفظ وحدة العراق وتضع مصيره في يد حكومة منتخبة ستشكل انتكاسة لهذا السيناريو وستمنع تمدد الزرقاوي في المنطقة. لكن العلاج لا يقتصر على المسرح العراقي، إذ أن الأمر يتعلق بأسلوب التعامل مع الملفات المعقدة من النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي الى المفاعلات النووية الإيرانية والمواءمة بين ضرورة الاصلاح وضرورة حفظ ركائز الاستقرار من دون أن ننسى تقرير المحقق الألماني ديتليف ميليس. إن جزءاً من المسألة يتوقف على الأميركيين أنفسهم، وما إذا كان اعصار"كاترينا"سينسيهم اعصار 11 أيلول.