حلول الذكرى السنوية الرابعة لاعتداءات 11 ايلول سبتمبر يحض على وضع جردة حساب بما حصل خلال السنوات الأربع الماضية. على ان وجه التقويم الإجمالي لحوادث ونوازل تتوزع على طول المنطقة وعرضها سيقتصر بالضرورة على تدوين ومعالجة الوقائع البارزة، جمعاً وتنظيماً وتحليلاً، أي من دون ان يكون للتقويم صفة طي مرحلة واستشراف مرحلة جديدة. فالذكرى ليست سوى مناسبة رمزية لربط الماضي بالحاضر وللفت النظر الى احتمالات تشكل سياقة زمنية وتاريخية ما من شأنها ان تمنح دلالة لاضطرابات وتقلبات ونزاعات لا نزال في قلبها من دون ان يكون لنا منها سوى التكهن او التخوف من مآلاتها. وقد يكون معلوماً ان طقوس التذكر او الاستذكار تقوم بجلب الماضي، بعيداً كان او قريباً، الى الحاضر، على ما يلحظ علماء الاناسة. غير انه من الصعب جداً ان تنشأ عن فعل التذكر وشعائره دلالة جامعة مانعة ما دامت الذكرى نفسها مدعاة تلقف من كيانات وجماعات تتباين مواقعها ورؤاها حيال الحدث المستذكر. والحال ان انتشار طقوسيات التذكر والاستغراق فيها، او على العكس عدم وجود ذلك او تقلص سطوتها الى حد ادنى وبسيط، لهي بالتأكيد من بين اكبر المؤشرات على صورة الزمانية الاجتماعية والثقافية التي ارتأت جماعة ما، او امة ما، ان تتعرف فيها على قوام لصيرورتها وروايتها. ويمكن بالتالي ان نقيس على الصورة المذكورة نوع الوعي الذي تقيمه المجتمعات او اجزاء منها مع الحاضر، حاضرها وحاضر علاقتها مع الآخرين. يمكن القول، في معرض جردة حساب موقتة، ان الإدارة الأميركية سعت الى تحويل الاعتداءات التي طاولت رموز القوة والعظمة الأميركيتين الى مناسبة لاجتراح حروب تأسيسية تهدف في نهاية المطاف الى تذكير الجميع بالزعامة العالمية والمعولمة للولايات المتحدة. واقتضى ذلك تغليب القراءة الأمنية على أي قراءة سياسية للنزاعات ومنطق توالدها وتفاقمها. وإذا كانت حرب افغانستان حظيت بتغطية شرعية دولية لضرب معاقل تنظيم"القاعدة"وإسقاط نظام طالبان بعد فشل محاولات الإيقاع بينه وبين المجموعات التابعة لأسامة بن لادن، فإن المسارعة الى اعادة تفعيل مقولة"محور الشر"المستوحاة من التعريف الذي أطلقه رونالد ريغان على الاتحاد السوفياتي زمن الحرب الباردة واصفاً إياه ب"امبراطورية الشر"، جاءت لتخدم ايديولوجياً تصورات المحافظين الجدد. وهذه التصورات خاطبت ذاكرة الأمة الأميركية وعناصر هويتها، المفترضة بالضرورة، أكثر بكثير مما خاطبت تاريخ المجتمع الأميركي وتباينات جماعاته ناهيك عن علاقات البلد بالآخرين. كان مطلوباً من خطاب التأسيس الحربي والهجومي إنشاء صورة نقية عن الجسم الأميركي ذات طابع احيائي يرد الى الأميركيين من طريق التذكير والتنبه الإرشاديين والأخلاقيين هوية اصلية مصنّعة بالضرورة كما هي حال كل هوية محسوبة اصلية يلتحم فيها المعتقد الديني ومشاعر الإيمان بالسياسة. في هذا الإطار جرى التمهيد لحرب العراق ومن ثم لخوضها في منظار رسولي وخلاصي شعاره نشر الحرية وفي مقدمها حرية السوق. لم تحظ الحرب على نظام صدام حسين بالشرعية الدولية المطلوبة وحفلت بأكاذيب قياسية وتشكيك شبه غانغستري بعمل المفتشين الدوليين وبتهميش للمؤسسات الدولية، خصوصاً الأممالمتحدة. وحدها الشرعية الأخلاقية المستندة الى ذاكرة الفظائع التي ارتكبها صدام حسين هي التي استندت إليها ادارة بوش من دون ان تشعر بأن في الأمر ضيراً ما. بل يرجح في الظن انها كانت اصلاً تستند الى رغبة قطاعات عراقية عريضة الى التخلص بأية طريقة كانت من نظام استبدادي واستئثاري يصعب على أي كان التأسف على نهايته. وراحت الإدارة الأميركية المسكونة برسولية توراتية وقدرية الى حد بعيد، تخاطب الجماعات الأخرى، والعراقية تحديداً، بصفتها اوعية لذاكرات ناجزة وإن كانت فئوية مذهبية او عرقية مستبعدة وجوه التركيب التي لازمت وتلازم تبلور أي كيانية وطنية حديثة. وبهذا الاستبعاد قللت من حظوظ اعادة صوغ الوطنية العراقية على اسس وفي قوالب مختلفة. في الإطار نفسه، رفعت الإدارة الأميركية ورافعاتها الإعلامية الناشطة شعار نشر الديموقراطية وبناء الشرق الأوسط الكبير. وقد ساهم الطابع الاستخدامي المؤدلج للشعار في استثارة مشاعر فئات عربية وإسلامية في غير بلد عربي وإسلامي ليس ضد الانتقائية والنفعية الفاقعة في استخدام الشعار، بل كذلك ضد الديموقراطية نفسها باعتبارها آلية لإقامة علاقة تبعية اقتصادية وسياسية بين دول الأطراف والمركز الأميركي. فقد اقيمت قواعد عسكرية اميركية في بلدان عدة من دون ان يعلم احد كيف تم ذلك، ومن دون حصول مناظرة سياسية. البلد الوحيد الذي مارس سيادته في هذا المضمار وناقش مجلسه النيابي التمثيلي مسألة مرور القوات الأميركية في اراضيه هو تركيا. ويمكننا ان نسرد امثلة وشواهد عدة على انتقائية الضغط الأميركي من اجل نشر الديموقراطية في بلد وليس في بلد آخر. ولا نبالغ اذا قلنا ان الإقبال على بعض التعديلات التجميلية ناجمة عن الخوف من الضغط الأميركي اكثر من الاستجابة الى تطلعات فئات وسطى وشعبية الى الديموقراطية. وفي هذا المعنى يبدو استخدام شعار الديموقرطية ونشر الحرية مشابهاً لشعار نشر الحضارة، كما استخدم في القرن التاسع عشر لتبرير التوسع الاستعماري. وعلى نحو مماثل يُطرح شعار العولمة والمطالبة بالإصلاح. والحديث عن الإصلاحات يذكّر هو الآخر بحقبة الإصلاحات العثمانية المعروفة باسم التنظيمات، حيث سعت القوى الأوروبية الى ربط الإصلاحات التحديثية بالتدخل الأوروبي وتعزيز نفوذه ومنافذه. وقد ادى ذلك الى تقوية حجج القطاعات التقليدية المحافظة ورموزها اذ راح هؤلاء يعتبرون التحديث والإصلاح وتجديد الامبراطورية على اسس سياسية وإدارية وقانونية جديدة يمكن التوفيق بينها وبين الشريعة الإسلامية، راحوا يعتبرون كل ذلك استجابة لطلبات الأجنبي وفتحاً لباب تدخلاته المتزايدة وسيطرته على مرافق الحياة الأساسية. في الذكرى الرابعة لاعتداءات 11 ايلول يظهر ان المنطقة تتخبط اكثر من أي وقت مضى في صراع الذاكرات الجماعية بصفتها أوعية أجسام سياسية طبيعية وتلقائية. وهي تتخبط كذلك، وفي السياق ذاته، في الصراع بين الأمن والسياسة. فالتحالف والدعم الاستراتيجي الأميركي للدولة العبرية ساهما على نحو ملحوظ في تقليص شروط تسوية سياسية للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي لمصلحة قراءة تستند الى الاعتبارات الأمنية. وينطبق هذا على ارتباك الإدارة السورية في ما يخص علاقتها بلبنان اذ انها غلبت، منذ التمديد العنيد والخاطئ لولاية الرئيس اميل لحود، الى جعل الجهازية الأمنية ديدن السياسة ومعدنها. وهي هي الأنظار اليوم تتوجه الى زيارة المحقق الدولي ديتليف ميليس لسورية لمعرفة ما اذا كان الصراع بين الأمن والسياسة قد وصل الى خاتمته في... لبنان.