تُصدر المؤسسة العربية للدراسات والنشر خلال الاسابيع المقبلة كتاباً للزميل فيصل جلول بعنوان "دفاعاً عن السلام العربي" يتضمن سجالاً مع دعاة التطبيع بلا شروط مع الدولة العبرية، خصوصاً مع الزميل حازم صاغية الذي سبق ان نشر كتاباً حول الصراع العربي - الاسرائيلي بعنوان "دفاعاً عن السلام" صدر عن دار "النهار" في بيروت. وننشر في آفاق" الفصل الاول من الكتاب مساهمة في النقاش الدائر حول السلام والحرب مع اسرائيل. الذاكرة القومية لا خير فيها في نظر حازم صاغية لأنها ثأرية وتوتاليتارية ومستودع للحقد ولهذا تقود الى حروب بلا نهاية. والذاكرة، مبدئياً، انتقائية وتتيح الاختيار والتصنيف ما يسمح ".. للبعد المستقبلي ان يتدخل في تعديلها" وتالياً فتح نوافذ سلام فيها. لا يدعو صاغية الى النسيان ويفضل ذاكرة اكثر استقلالية واكثر تعقيداً واقل انتقائية وجموحاً نحو العموميات والتبسيط. ويرى ان على العرب ان يعدّوا ".. للمستقبل بوعي الذين يملكون ذاكرة جيدة وبأخلاق الذين هم اجود من ذاكرتهم. ولأنهم اجود منها فانهم يسيطرون عليها ولا يقعون بأسرها" ص 83 - 94. ويحمل، كما في موضوعات كتابه كلها، على التعصب القومي او الذاكرة القومية المتعصبة عند العرب واليهود معاً. لا يمكن لعاقل ان يدعو الى انعاش ذاكرة حربية وتنميتها كما لا يمكن الدعوة الى النسيان. لكن بين الحرب والنسيان متسع لذاكرة عربية مستقبلية بعيدة عن التعصب "جيدة" ولا تتحول كابوساً يتملك عقول اجيال عربية تعيش في عصر وظروف مختلفة عن تلك التي عاشت في ظلها الاجيال العربية السابقة التي كوّنت حضارة العرب. يبدأ الخلاف مع صاغية عندما نقترب من تحديد معنى هذه الذاكرة المعتدلة ومبناها وتحديد مكوناتها الاصلية وتالياً عصرنة هذه المكونات وتنقيتها وتعديلها ومراجعتها ومن ثم استشراف ما يمكن "تسطيره" عليها. ويرتسم اول عناصر الخلاف عند الاعداد "السلمي" لذاكرتنا، فهو يرى ان ذلك يتطلب التخلي عن ذاكرة الحرب، او الذاكرة القومية، وطمأنة اليهود الذين نريد بناء السلم معهم. ولطمأنتهم يتوجب استقبال "المحرقة" استقبالاً جيداً والحديث عنها والاعتراف "بعدالة" نشوء اسرائيل وانتقاء الفترات "المضيئة" في علاقاتنا مع اليهود وعقد رهان سلمي خال من كل ما يذكّر بالحرب والصراع واستئصال اسرائيل من الوجود. نرى من جهتنا ان السلم يُبنى في عقول البشر وليس بالغاء عقولهم وذاكرتهم، ولا حتى بتغيير جوهر هذه العقول، لأن السلم يقوم عادة بين اعداء حقيقيين قرروا التخلي عن الحرب وحل خلافاتهم بالوسائل السلمية، ولا يصبح سلاماً حقيقياً الا اذا انطلق كل طرف من مكوناته ومن خصائصه ومن عدالة مشروعه. صحيح ان كل سلام يحتاج الى تنازلات وتعهدات لكن حالات السلام التي اعقبت معظم الحروب والتي لم تخسر فيها امة كيانها، كانت تنحصر في حدود النصر والهزيمة. بمعنى آخر، ينتصر طرف ويُهزم طرف في حرب لكن المنتصر ينتصر بصفته عدو المهزوم، والاخير بصفته عدو الاول وليس ابن عمه او ابن خالته. الحالة الوحيدة التي يفترض فيها السلام تغييرات جوهرية هي حالة الحروب الاهلية التي تتم عادة بين اطراف منتمية الى وطن واحد ومجموعة قومية واحدة، شأن الحرب الاهلية الاميركية التي اندلعت بين شماليين وجنوبيين وانتصر فيها الشماليون الذين عقدوا سلاماً مع الجنوبيين، تطلب تنازلات جوهرية من اجل خدمة مصلحة وطنية مشتركة. بتعبير آخر، كان الاميركيون يناصبون العداء بعضهم بعضاً خلال الحرب وكان تعاديهم ظرفياً وانتهى بانتهاء ظروفه وحسمه لمصلحة طرف دون الآخر، واصبح الآن ذكرى ماضية. لا ينطبق هذا المثال على الصراع العربي - الاسرائيلي. اذ لا ننتمي نحن واسرائيل الى وطن واحد حتى تكون حربنا اهلية، ولسنا اصلاً مختلفين حتى نتصالح كما يتصالح الاهل، فان تنازل احدنا جوهرياً عن ذاكرته يكون تنازلاً لمصلحة الاهل. من جهة ثانية لم تكن هزيمتنا في الصراع مع اسرائيل هزيمة شاملة، ساحقة ماحقة حتى نقدم تنازلات موازية. كانت هزيمتنا وما زالت هزيمة عسكرية كبيرة لكنها لم تنفذ الى دفاعاتنا وثقافتنا وتالياً لم تتطلب خضوعاً تاماً لارادة الآخر الاسرائيلي المنتصر. يمكن القول في ضوء ذلك ان سلامنا مع اسرائيل يملي علينا، في حال وقّعنا اتفاقاً بهذا الصدد، التخلي عن منطق الحرب والكف عن الدعوة اليها ما دامت اسرائيل ملتزمة السلام، وطي حديث الحرب الانتحارية التي تنتشر احياناً بين صفوفنا، ويستدعي السلام ايضاً الكف عن سباق التسلح والسعي الى تحقيق نهضة عربية حقيقية... الخ. باختصار نبني سلاماً في ضوء اتفاقات متناسبة مع هزيمتنا العسكرية. في المقابل لا يشترط السلام التخلي عن تاريخنا وعن ثقافتنا، واذا كان لا بد من التغيير في هذا المجال فذلك يتم لدواع وضرورات تنطلق من مصالحنا ومن نظرتنا لانفسنا ولدورنا في عالم متغير. فالتعصب القومي لا يفيد تطورنا لأننا مجموعة حضارية اندماجية وغير طاردة للآخر، وكل تعصب يتناقض مع جوهر هذه المجموعة وأسس تكوينها. واذا كان علينا ان ننتقي ونبرز الفترات المضيئة في علاقتنا باليهود، فلغايات متصلة بتنمية ذاكرتنا الايجابية الاندماجية والمتسامحة، وليس كشرط حاسم للسلام مع اسرائيل. واذا كان حديث "المحرقة" ضرورياً ويجب ان يحتل مساحة مهمة في اهتماماتنا، فلأننا مؤهلون اكثر من غيرنا للتصدي وادانة الجرائم التي ارتكبت بحق الانسانية. اما قدراتنا الكامنة والتي تحتاج الى بلورة وشحذ وتنمية على صعد مختلفة، فانها كفيلة بمساعدتنا في تسطير صفحات اساسية في تاريخنا. واذا كان صحيحاً اننا وقعنا "في اسر" ذاكرتنا في بداية الصراع مع اسرائيل وتحدثنا عن "الثأر" و"رمي اليهود في البحر" الخ… فالصحيح ايضاً اننا تخلينا عن هذا الجانب الساذج في ذاكرتنا. واذا كان بعضنا مصراً على اعتماده حتى الآن، فهذا البعض ضئيل التمثيل ولا يحظى باجماع بيننا ولا يمثل اكثريتنا في كل الحالات… لقد عدّلنا ذاكرتنا، ونحن بحاجة الى مواصلة التعديل استجابة لمصالحنا وليس استجابة لارادة عدونا. لكن ماذا عن ذاكرة هذا العدو؟ يجيب صاغية بأنها قومية متعصبة وثأرية وشبيهة الى حد بعيد بالذاكرة العربية. وهذه الاوصاف على خطورتها لا تختصر الجوهر الحقيقي للذاكرة الاسرائيلية، او على الاقل، لا تتوسع في الحديث عن حقيقة التعصب الكامن فيها. عندما يتحدث اسرائيليو القاعدة عن "ارض الميعاد" يجمعون على التأكيد على جملة واحدة "… عندما كنا نلتقي خلال الألفي عام الماضية كنا نتحدث عن اورشليم القدس وكنا نودع بعضنا بالقول نلتقي العام المقبل في اورشليم". وفي الحديث عن حجتهم باستيطان فلسطين يقولون: "كنا هناك قبل ألفي عام". نحن اذن في حضرة ذاكرة اسطورية - دينية راسخة تتجاوز كثيراً قضية التعصب القومي البسيط. فكيف يمكن تعديل هذه الاسطورة من دون تعديل الدين نفسه، ومن دون تعديل اللغة الدينية، كي لا نقول الوجود الاسرائيلي؟ ومن مفارقات الذاكرة الاسرائيلية انها تتمتع بحماية القانون الدولي، فالدولة الاسرائيلية هي الوحيدة في العالم التي خلقتها الاممالمتحدة بقرار اقترع عليه اعضاؤها، وهذا الاقتراع يقر ضمناً بالذاكرة الاسطورية التي بررت قيام اسرائيل ما يعني ان تعديل الذاكرة الاسرائيلية يستدعي منطقياً تعديل القرار الدولي الذي اقرّ وجود الدولة العبرية، وهو امر لا نعتقد بأن الاسرائيليين مستعدون للعبث فيه، ولعل انتخاب نتانياهو البرهان الاضافي على ما نقول. غير ان هذا الزواج العجيب بين الاسطورة والقانون الدولي لا يختصر كل جوانب الذاكرة الاسرائيلية وان كان يعتبر العنصر الجوهري فيها. فهذه الذاكرة تكتب فيها بالفعل صفحات جديدة وتسطر عليها قضايا عديدة لكن هذا التسطير لا يذهب في الاتجاه الذي يأمله صاغية وانما في اتجاه رجعي الى الخلف. فپ"المحرقة" لا تمضي ولا يمر عليها الزمن، بل يجب ان تظل حاضرة بقوة ويجب ان يتذكرها العالم دائماً، اي يجب ان تستدخل في الذاكرة الاصلية، وعليه هي مشروع للمستقبل كما اشار صاغية نفسه. وقضية "دريفوس" لا يمر عليها الزمن وليست فعلاً من الماضي بل تنتمي الى الحاضر والمستقبل وتُستدخل في الذاكرة الاصلية. هي اذن ذاكرة تستدمج المعاصر لمصلحة الماضي. ولأنها ماضوية وتتجه دائماً الى الخلف ولأنها ذاكرة مقفلة على غير الاسرائيليين ولا تتسع لتفكير اندماجي وتعتبر الاندماج الزواج المختلط مثلاً خطراً على وجودها، فانها غير قابلة للتعديل الجوهري، وغير قابلة للتعايش مع الشعوب واساليب الحياة الا بما يعينها على تثبيت ماضويتها. هكذا يتجوهر الاصل فيها ويقوى بالتكنولوجيا وبالحق الدولي والعلاقات الوثيقة مع الدياسبورا. ويلاحظ ان الابداع الذي تنتجه هذه الذاكرة في اسرائيل يقتصر على بناء عالم مقفل ومحصّن، وعلى اختراع وسائل القتل الحديثة: السلاح النووي، والسلاح السام الذي استخدم في محاولة اغتيال خالد مشعل… باختصار تُبدع هذه الذاكرة في بناء حصن، وهيكل، اي باعادة بناء الحاضر على صورة الماضي وفي ذلك تحمل معها خطر الانتحار وهو ايضاً يستند الى مرجع ماضوي معروف اسمه "الماسادا"!! وعليه من المنطقي ان نلاحظ ان اليهود الاكثر ابداعاً هم اليهود الاندماجيون والذين لا يعيشون في اسرائيل، اي اولئك الذين تحرروا من أسر هذه الذاكرة… فهل يمكن ان تأتينا من هذه الذاكرة اسباب التقدم والديموقراطية؟؟ نقول في ضوء ذلك ان التصور الذي يريده صاغية لاسرائيل يقترب من مثال "روما القديمة" التي كانت مركزاً للاشعاع والتقدم في محيطها. وهو يريد من هذا المحيط ان يصبح اكثر قابلية للافادة من هذه الپ"روما" كي لا يدمرها كما دمرت روما القديمة وعمّ الدمار في محيطها نفسه. غير ان هذا التصور ينطلق من حلم بعيد عن الواقع بمسافات ضوئية طويلة وينطلق من خوف، مبالغ فيه، على الاقليات التي تهددها الاصولية، وهو تصور مشروع لكنه يسير مباشرة نحو جدار ضخم. ذلك ان التصور الاقرب الى الدولة العبرية يشبه مثال "الممالك الصليبية" المحصنة التي تأسست ضد محيطها ومن اجل قهر هذا المحيط وبناها اشخاص جاؤوا من خارج المكان، ولم تكن تحمل هموماً اندماجية، وكانت بمقاييس العصور الوسطى تمتلك اسلحة وخبرات قتالية متقدمة، في حين ان "روما القديمة" ولدت وازدهرت في المكان ومن المكان نفسه، وانتهت الى الدمار لأنها لم تتكيف مع هذا المكان ولم تندمج فيه ولم تجتهد في تحويله وتكييفه مع درجة تقدمها. خلاصة القول في ما يختص بنا ان الدرس الاهم الذي يمكن للعرب استخلاصه في قضية الذاكرة يكمن في تطوير خصائصها الاندماجية والانفتاحية وتكييف ذاكرتهم مع العصر ومستجداته وطي صفحات التعصب والسذاجة والابتعاد عن المسالك التوتاليتارية التي جاءتهم من الخارج، وفي كل الحالات، الامتناع عن تهديم ذاكرتهم وتحويلها انقاضاً، فما نحتاجه هو ذاكرة حيوية منفتحة واندماجية… لكن عربية