غداة حصول عمليات 11 أيلول سبتمبر من العام الفائت، سارعت وسائل إعلام عدة ومتنوعة إلى الاكتفاء بصورة الطائرة وهي تخترق أحد البرجين الشهيرين في نيويورك، فيما اقتصر التعليق والعنوان الكلامي على تعيين تاريخ المشهد بأرقام كبيرة وبارزة: 11/9/2001. وهذه الطريقة في ابراز الحدث كانت تستند بالتأكيد إلى اعتقاد راسخ بأن مئات الملايين من سكان المعمورة شاهدوا بأم عينهم، على شاشات التلفزة بالطبع، بعض وجوه الحدث في ما يشبه النقل المباشر لما حصل. التركيز على الأرقام الدالة على يوم الحدث كان يسعى، في راجح الظن، إلى التأكيد على أن ما شاهده الناس إنما هو الواقع الخام ليوم مشهود. ذلك أن كثيرين لم يصدقوا أعينهم، وحسبوا أن ما رأوه كان ضرباً من اللقطات السينمائية الخيالية، أو أنه يقع في منطقة ملتبسة لإدراكهم تتأرجح بين الحقيقة والخيال. اضطر آنذاك عديد المعلقين، خصوصاً في البلدان الموغلة في شراهة الاستهلاك البصري، إلى التشديد على أن ما تعرضه الشاشة الصغيرة هو واقع مشهود ومحقق وليس شطحة من شطحات الخيال. هناك عناوين تجاوزت حدود التبليغ عن الانعطافة العظيمة التي يؤذن تاريخ اليوم بقدومها، ونحت منحى الإعلان الرسولي عن قيام القيامة، ولو على سبيل المجاز. قد يكون هذا التوصيف كافياً لفهم مبررات "الاحتفاء" الإعلامي بالذكرى السنوية الأولى لليوم المشهود، وهو "احتفاء" يتطلب تحضيرات قبل أسابيع، إن لم يكن قبل أشهر في بعض الأحيان والحالات. غير أن حيرة الناس في ما يخص مداخل ومخارج جريمة أودت بحياة مئات من البشر، ما برحت على حالها تقريباً. والحيرة هذه ناجمة عن استحالة نشوء اجماع حول تعقل الحدث والتقاط حيثياته، أي حول ما يتعدى الاجماع على إدانة الجريمة، بحيث أن كثيرين باتوا يشكون أو يشككون في صفة الانعطافة الكونية العظيمة التي اعطيت للحدث ولحمولته وذيوله. وقد لا يكون مستغرباً ازدياد هذه الحيرة ما دام الناس لم يصدقوا، للوهلة الأولى، ليس واقعية الحدث، بل على الأرجح واقعية شهودهم واطلاعهم على المادة المشهدية الخام لحدث كبير، الأمر الذي من شأنه أن يولّد لديهم الانطباع بالمشاركة السلبية في بعض وجوه الحدث. وهذا شيء جديد نسبياً عليهم. ثمة بالطبع من استند إلى الطابع المباغت لعمليات 11 أيلول كي يقارن بينها وبين عملية بيرل هاربر التي شنتها الطائرات اليابانية على قاعدة عسكرية أميركية كبيرة عام 1942، ثم راح يتبين أكثر فأكثر فقر هذه المقارنة وقلة صلاحيتها. فعلاوة على الفوارق البديهية الكبيرة بين بيرل هاربر وبين تفجيرات نيويورك وواشنطن، لم تقف أي دولة من الدول خلف التفجيرات الأخيرة باستثناء الموقف المراوغ لنظام حركة "طالبان" الذي لم يكن أصلاً يحظى سوى باعتراف عدد قليل من الدول لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، بل هو أقل من ذلك. ويزداد الأمر غموضاً حين يظهر أن مدبري العملية أي أسامة بن لادن وتنظيم "القاعدة" إنما هم أفراد ويعيشون في مغاور ومناطق غامضة في بلد لم يكن له من الوضوح سوى نجاحه في دحر القوات السوفياتية من دون أن تستقر تنظيمات وأنسجة اجتماعه على حال. في سياق من هذا النوع، لا يعود أمام أميركيين كثيرين سوى الاستنجاد بذاكرة تخيلية للإحاطة بماهية وحقيقة أولئك الذين نفذوا عملية كبيرة في عقر دار القوة الأعظم في العالم. إنهم، في معنى ما، أشبه بالغزاة القادمين من كوكب آخر لتهديد بني البشر كلهم، من خلال واسطة عقدهم أي الولاياتالمتحدة، على ما كان يعرض مسلسل تلفزيوني أميركي اشتهر في الستينات، في عز الحرب الباردة، وحمل عنوان "الغزاة". ويستفاد من هذا ان الإقرار بحصول اليوم المشهود في 11/9/2001، وان الاجماع على إدانة التفجيرات، يترك المدلولات على غاربها. ولن تندرج الحادثة ومفاعيلها في سجل سياسي وثقافي جامع ومشترك، بل ستتوزع المدلولات على مرجعيات متباينة ومختلفة. يمكننا بكل سهولة أن نتوقع أن تكون جردة الحساب بوقائع العام الأول على حصول التفجيرات، مجرد تذكير بما حدث، فيما يبقى باب التأويل مفتوحاً على مصراعيه، بل ليس مستبعداً أن تتفاقم الخلافات، خصوصاً بين أوروبا والولاياتالمتحدة، حول السياسات الواجب اعتمادها ل"مكافحة الإرهاب" والتعاطي مع دول "محور الشر" وغيرها، وفي مقدمها العراق. لن تصل هذه الخلافات إلى حد المواجهة إلا أن الافصاح عنها، معطوفاً على الخلافات الأخرى الدائرة حول حماية المناخ والبيئة العالميين، وحول قواعد التجارة الدولية والسياسات الحمائية الاقتصادية، وحول محكمة الجزاء الدولية، من شأنه أن يلجم نزوع الإدارة الأميركية الحالية إلى اعتماد سياسات ذات طابع رسولي توراتي لا يخفي شهوته إلى الانتقام والتشفي، وإلى انزال قصاص جذري بالخارجين عن الولاء لهذه السياسات. ما حصل خلال العام الأول هو حرب على نظام "طالبان" وعلى فلول تنظيم "القاعدة"، وإعادة ترتيب لبيوتات عدة واستعراض للقوة الأميركية. في المقابل، ازدادت الخلافات بين تصورات الدول النافذة والكبيرة حول المرجعية القانونية الدولية وازدياد المخاوف من خروج الولاياتالمتحدة نفسها على هذه المرجعية التي يؤمل منها تعزيز حظوظ ايجاد أفق سياسي مشترك لحل النزاعات الكثيرة في العالم. عربياً، لن تحصل على الأرجح جردة حساب جدية، بل سيظل المشهد على حاله إن لم يحصل المزيد من النزاعات الجانبية. وسوف تظل المراجعة النقدية المطلوبة في وضعية المسكوت عنه. ولأن الأمور ستبقى على النحو هذا، فإن الراغبين في النقد والإصلاح، سيكافئون قلة حولهم بالإمعان في تقديم ارشادات ودروس ذات طابع تعليمي تربوي، حاسبين لأنفسهم، بهذه الطريقة، امتلاك الترياق الذي يشفي المجتمعات العربية والإسلامية من أمراضها المزمنة، وسيكون عليهم الخوض في سجالات لا تنتهي، ولا تخلو بطبيعة الحال من المنافحة واستعراض المناقب والمثالب، ما دام الإسلام أصبح يحتل في مخيلة أميركيين وغربيين كثيرين صورة المقلع الذي يتوالد فيه شياطين "غزاة" أقرب إلى أن يكونوا ليس فحسب من خارج العصر، بل من خارج الكوكب وتاريخه. يمكن الخلوص من هذه التوصيفات السريعة إلى القول إن الانعطافة التي حملها يوم 11 أيلول المشهود، ليست سياسية في الحقيقة، بل تقنية. هناك ما هو أدهى بعد، وهو تزايد احتمال اختزال السياسة إلى مجرد تقنية. وعندما تكون الأمور على هذا النحو، لا يعود صعباً أن نرى تزاوجاً بين عقلية اجتماعية وثقافية نكوصية وبين الإقبال المحموم والشره على أحدث المنتوجات التقنية. والذين نفذوا عمليات 11 أيلول يحملون الكثير من مواصفات هذه المزاوجة الغريبة بين امتلاك التقنية الحديثة وبين التبشير بحروب كلانية لا تترك أدنى محل للسياسة وعقلها. والأنكى من ذلك أن هذه المزاوجة، القائمة لدى اصوليي الإدارة الأميركية ودعاتها ولدى قسم بارز من الاصوليين الإسلاميين، لا تخلط فحسب بين مستويات ودلالات اسم الإسلام نفسه كتعبير عن عقيدة دينية وعن تاريخ وعن حضارة في آن، بل تسعى إلى اختزال الدين إلى حال الحس الغريزي الذي يجعله بمثابة أصل طبيعي للمجتمعات التي تؤمن به. وهذه المزاوجة تدعو إلى فعل كل ما يجيز ويرسّخ التربية الغريزية هذه، وإلى ما يجعل العقل والتاريخ في خدمة هذه الغريزة، حتى لو أفضى ذلك إلى بقاء مجتمعات بكاملها بلا روح. وأصحاب هذه المزاوجة يحسبون أن الآلات التي يحذقون استعمالها هي جسد الحياة المعاصرة، وأن المعتقدات التي ينشئونها هي روح الجسد نفسه، ولا يأتي إلى بالهم أن ما يفعلونه بهذه هو من مفاعيل ما صنعته التقنية بهم، لأنهم ثقّفوها من دون روح، كما لو أنها غنيمة بدائية.