لم يمر وقت قصير على تولي الحكومة الجديدة مهامها، حتى كانت عرضة لأسواط الواقعية التي لا ترحم، ما ساهم في تخليها عن جزء من خيالاتها وأحلامها والعودة الى الواقعية. ولا يمكن اعتبار المجال السياسي ميداناً لإطلاق الشعارات، وبعث الآمال، وإنكار الماضي. فالسياسة هي فن الممكن وعلم المقدور وتوظيف الموجود وتوجيه وتنظيم الأمور. وفي المدة القصيرة المنقضية شاهدنا قرائن كثيرة على ان حكم الدول، في المجال التطبيقي والتنفيذي، قد أسهم في تغيير اعتقادات المسؤولين. وهذا التغيير المحتم يجب ألا يكون ثمنه إنجاز العمل مرة اخرى، او دفع أثمانه من الاعتمادات والموازنة العامة. ولا شك في ان التطرق الى عدد من الوقائع، في الشهرين ونصف الشهر منذ تولي حكومة الرئيس الجديد محمود احمدي نجاد مهامها، يساعد على فهم هذا الموضوع. فقد اتخذت الحكومة، في جلستها التي عقدت النصف من شهر تشرين الأول اكتوبر، قراراً بإعادة الإسمنت الى سلة المواد المدعومة. وعلى رغم ترحيب قطاع البناء النامي بإيران بهذا القرار، إلا ان المعارضة جاءت من المصدرين والمتعاملين في بورصة طهران، فيما اعتبره بعض الاقتصاديين مخالفاً لخطة التنمية الرابعة المقررة، ويلغي قرار الحكومة السابقة التي اعطت مهلة حتى اواسط ايلول سبتمبر لوقف العمل بسياسة الدعم... والعودة الى دعم بعض المواد يعني ابعاد السوق الإيراني عن الفاعلية والخصخصة. وإعادة الدعم على الإسمنت، إنما تقرر في مرحلة تعاني فيها بورصة طهران تراجعاً وجموداً لا سابق لهما. وتذهب التوقعات الى اللجوء الى اجراءات خاصة، لعلها تنقذ البورصة، وليس الى ادخال الأصناف التي تشكل 15 في المئة من معاملاتها في عداد المواد المدعومة. فوزير التجارة، وهو يفتقر لتجربة الإدارة التجارية وتقلد الوزارة بعد رئاسة جامعة"شاهد"، سوغ القرار بتدني اسعار الإسمنت، ولكن الموضوع أبعد من مبررات الوزير الجديد، لأن المستفيد الأول من هذا الأمر هو الوسطاء والمافيات المعقدة والمتداخلة. ويلحق الإجراء الضرر بالمتعاملين في البورصة والمصدرين الذين دخلوا، قبل سنة في عقود الى اجل. وبعد جدل أثاره القرار مهدت الحكومة للعودة عنه، قبل إلغاءه. ولكن العجب ان وزير التجارة اعلن اعادة الدعم. ثم تبعه وزير الصناعة والتعدين، وأعلن إمكان النظر فيه من جديد. وجاء وزير الاقتصاد ليعلن إلغاؤه، وتحرير السلعة من سلطة الحكومة. وهذه مسألة من اهم المسائل، وأكثرها جدية، وتشير الى ان الواقع يفرض نفسه على القرار في غياب التخطيط والرؤية المستقبلية. ولا يمكن ان نتحدث عن بورصة في وجود سلة دعم رسمي. ولا يعقل ان يشجع الناس على شراء اسهم في البورصة في الوقت الذي نسخر فيه من الاقتصاد الرأسمالي ونستخف به. فالبورصة لها سياقها ومقرراتها الخاصة. والمؤشرات السلبية والإيجابية لا تترك مجالاً للتسويغ والتبرير. فالمؤشرات تشبه ميزان الحرارة الذي يشخص حال الاقتصاد، وإذا هبط مؤشر الحرارة فعلينا، حينها، ان نعمل على رفع حرارة المحيط والمريض، وليس ان نعمد الى تسخين ميزان الحرارة لنرفع مؤشره. عن افتتاحية اميد جوان الإيرانية 30/10/2005.