حددت المملكة سياستها الخارجية على الصعيد العربي إبان عهد الملك فهد، في الثوابت الآتية : - دعم التعاون العربي والعمل على توحيد الصف ورأب الصدع، ودعم مجلس التعاون الخليجي ليكون دعامة قوية مع جامعة الدول العربية. - الدفاع عن القضايا العربية من خلال الدعم المتواصل بشتى أشكاله الديبلوماسية والاقتصادية والسياسية في المحافل الدولية. - بلورة التضامن العربي وحل الخلافات العربية والخلافات الخليجية في إطار العلاقات العربية والخليجية. - التنسيق بينها وبين الدول الشقيقة في المواقف الخارجية إزاء القضايا المطروحة على المسرح الدولي لبناء تكتل سياسي وديبلوماسي عربي. - التأكيد على الأمن الجماعي للدول العربية والخليجية من خلال الترتيبات الثنائية من خلال دعم الدول العربية المعرضة للعدوان سياسياً وديبلوماسياً وعسكرياً ومادياً. - الالتزام الكامل بالاتفاقات والمعاهدات والمواثيق الدولية الموقعة بين الدول العربية أو الدول العربية ودول أخرى. - دعم الحوار العربي- الأفريقي، والعربي - الأوروبي، والخليجي - الأوروبي، لتحقيق المصالح المشتركة بما يعود على الشعوب العربية بالخير والرفاهية. وعلى هذه الخلفية، حينما ثار الخلاف الحدودي السعودي - القطري العام 1992، أكدت المملكة التزامها بالاتفاق الموقع بين الدولتين العام 1965، لإقامة العلاقات الحدودية بينهما، ودخلت الدولتان في مفاوضات بوساطة مصرية أسفرت عن تسوية النزاع الحدودي على أساس اتفاق 1965. ودخلت السعودية في مفاوضات مباشرة مع اليمن عام 1992، لتسوية القضايا الحدودية بين الدولتين على أساس اتفاق الطائف عام 1934، وتدخلت السعودية لوقف النزاع الحدودي بين قطر والبحرين حول الجزر الثلاث فشت الدبل وحوار وجرادة بعد أن تصاعد الخلاف بينهما الى حد المواجهات العسكرية في أوقات معينة خصوصاً عامي 1982و 1986. فعندما اندلع النزاع عام 1982، أصدر المجلس الوزاري لدول الخليج في دورته الثالثة المنعقدة في الرياض بياناً طالب فيه السعودية ب"بذل مساعيها لإنهاء الخلاف بين الدولتين"، وبعد وساطة نشطة اتفق البلدان برعاية سعودية على مبادئ مفادها"عدم القيام بأية تغييرات ديموغرافية بالجزر، والامتناع عن القيام بما يعوق المفاوضات أو ممارسة أي نشاط اعلامي ضد الدولة الأخرى، والامتناع عن عرض النزاع على أي منظمة دولية". وبعد فشل المفاوضات القطرية - البحرينية سرعان ما تجدد الخلاف عام 1986 فتدخلت السعودية مجدداً بخطة عمل لوضع تسوية نهائية، قبلها الطرفان وانسحبت قواتهما الى مواقعهما السابقة قبل عام 1982، على ألا يعود أي منهما إلى استخدام القوة العسكرية ما دامت مساع تبذل من أجل التسوية الحدودية في إطار قانوني تاريخي، يقدمان من خلاله ما يملكان من وثائق. ولكن بعد تجدد الخلافات بين البلدين إبان أزمة الخليج الثانية في كانون الأول ديسمبر 1990، تدخلت السعودية مرة ثالثة ? على رغم انشغالها بالأزمة - واستطاعت التوصل إلى اتفاق في الخامس والعشرين من كانون الأول نص على"عرض الموضوع على محكمة العدل الدولية ويسحبانه إذا توصلا الى حل أخوي مقبول"، ما اعتبرته الأوساط السياسية والديبلوماسية نجاحاً للجهود السعودية وحرصاً على مستقبل مريح للعلاقات بين البلدين". وتدخل الملك فهد شخصياً بالتوسط بين الجزائر والمغرب لوقف المصادمات العسكرية الضخمة التي أدت الى سقوط مئات القتلى، بسبب قضية الصحراء الغربية، إذ يؤكد المغرب تبعية الصحراء له، وتدعم الجزائر جبهة البوليساريو، التي تطالب بإقامة دولة مستقلة فيها. وقام الملك فهد بزيارة للمغرب والجزائر في إطار"ديبلوماسية مكوكية"نشطة أسفرت عن قمة ثلاثية ضمت معه الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، والعاهل المغربي الملك الحسن الثاني، فتحت الباب لمفاوضات مباشرة ووقف إطلاق النار، لتنتقل إلى الأممالمتحدة. واعتبر المراقبون أن"الوساطة السعودية مهدت الطريق لقبول كل الأطراف المتنازعة لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة". غير أن الدور السعودي الأهم الذي لعبه الملك فهد جاء في الحل الشامل لقضية الحرب الأهلية في لبنان، التي استمرت خمسة عشر عاماً، بعدما فشلت كل الوساطات، واستطاعت الدولة السعودية حل القضية بعد استضافة أعضاء مجلس النواب اللبناني لمناقشة وثيقة الوفاق الوطني المعروفة باتفاق الطائف والتوقيع عليها. لكن الراصدين والمحللين لسياسة الملك فهد يعتقدون أن الدور الأكثر أهمية في سياسته هو"الموقف من احتلال الكويت وتحريرها بعد استيلاء العراق عليها كاملة وإعلانه ضمها"، واعتبروه"دوراً محورياً في تعبئة الشعوب والدول الإسلامية والعربية لإدانة الغزو العراقي، وبناء جبهة الدول المتحالفة من أجل التحرير"، مؤكدين أنه"من دون الدور السعودي ما كان يمكن للكويت أن تتحرر من قبضة القوات العراقية". وارتكز موقف الملك فهد منذ بداية الأزمة على إدانة العدوان ورفض ما يترتب عليه من إجراءات منافية للأعراف الدولية والتعاليم الإسلامية والقيم والأخلاق، والمطالبة بالانسحاب الفوري من دون قيد أو شرط وعودة السلطة الشرعية بقيادة أمير الكويت الى سدة الحكم، وانسحاب الحشود العراقية المرابطة على الحدود السعودية مع ضمان عدم تكرار اعتداء حاكم العراق على أي دولة عربية خليجية أخرى، ما اعتبره رئيس معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن فرانسوا هيسبورغ"موقفاً ثابتاً وقوياً ضد العدوان، كان حجر الزاوية في تجميع الصف العربي والإسلامي خلف القرارات الدولية التي مهدت لعملية عاصفة الصحراء". وعزاه آخرون إلى"الثوابت"التي أرساها الملك فهد في سياسته الخارجية، مؤكدين أنه"استند في موقفه الى إلمامه الكامل بميثاق الأممالمتحدة، الذي شارك في صياغته عند قيام الهيئة الدولية، وعلى الفصل الواحد والخمسين من الميثاق، ويجيز للدول الأعضاء التحالف لرد أو دفع أي عدوان قد تتعرض له دولة عضو من دولة أخرى". واعتبر المحللون السياسيون أن الموقف السعودي من الأزمة تحرك في اتجاهين أساسين هما: - العمل الديبلوماسي لدفع العراق لسحب قواته من الكويت، وبادر بالاتصال بالقيادة والقيادات العربية الأخرى، بعد تأكيد نية العراق العدوانية وأن ضمه الكويت لا رجعه فيه. - العمل العسكري من خلال حشد السعودية قواتها لحماية أراضيها وأراضي بقية دول الخليج من احتمال اعتداء عراقي بعد أن بدا واضحاً أن القوات العراقية تتحرك نحو الأراضي السعودية، مع الاستعانة بقوات عربية ودولية، بعد تجاهل العراق القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن. وأكد المحللون أن التحرك السعودي باتجاهين برهن على"حكمة الملك فهد"باتخاذ القرار وفطنة بعيدة المدى. وتدخل الملك فهد بوساطة شخصية في حسم الخلافات المصرية - القطرية، نتيجة اختلاف المواقف السياسية وتصاعد الحملات الاعلامية، فجمع الرئيس المصري حسني مبارك وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في قمة ثلاثية معه في قصر اليمامة في الرياض، حضرها ولي العهد السعودي الأمير عبدالله، أذابت الخلافات وعادت العلاقات بينهما إلى سابق عهدها. واعتبرت الأوساط السياسية والديبلوماسية التحرك السريع للملك فهد، وتدخله في الوقت المناسب بديبلوماسية عميقة ترجمة للدور الريادي الذي تلعبه المملكة بخطوات ثابتة سعياً الى وحدة الصف ورأب الصدع العربي. قاد العاهل السعودي الجديد الملك عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد وقتها في العام 1985 لجنة وساطة عربية انبثقت من اجتماع القمة العربي الطارئ المنعقد في الدار البيضاء عام 1985 لحسم الخلاف السوري - العراقي حول طبيعة التسوية العربية مع إسرائيل، ودور الأردن ومنظمة التحرير في التسوية واعتراض سورية على الاتفاق الأردني - الفلسطيني. وكانت سورية ترى أن الاتفاق يؤدي عملياً الى استبعادها من التسوية السلمية، وأن الأردن دعم الاخوان المسلمين وسمح بالقيام بعمليات عسكرية ضدها انطلاقاً من أراضيه. وعقب وصول ولي العهد السعودي الى سورية قابل وأعضاء اللجنة الرئيس السوري حافظ الأسد وأجرى اتصالاته مع العراق، وأعلن عن موافقة سورية والأردنوالعراق على حضور اجتماع احتضنته السعودية في الثامن عشر من أيلولسبتمبر عام 1985، وأعلن، ولي العهد السعودي وقتها، الملك عبدالله عن اتفاق البلدين سورية والأردن على خطوات لتحسين العلاقات المتوترة منذ عام 1979، وأن سورية والأردن سيستأنفان الحوار بينهما في السعودية الشهر المقبل أي تشرين الأولأكتوبر من العام نفسه. اجتمع الجانبان في الرياض في الثالث والعشرين من تشرين الأول واتفقتا على تأكيد الالتزام بقرارات مؤتمر القمة والتمسك بمشروع السلام العربي أي مشروع الملك فهد الصادر عن قمة فاس عام 1982. واستجابة للجهود العربية والسعودية قررت الدولتان استئناف المفاوضات في كل من دمشق وعمان لإفساح المجال أمام المزيد من التعاون، وتعهدت الأردن بوقف العمليات العسكرية التي يقوم بها الاخوان المسلمون ضد سورية انطلاقا من الأراضي الأردنية.