من عمان ... أجل! لا من القاهرة ولا من بيروت ولا من أي عاصمة أوروبية كما جرت العادة... تخرج مجلة فريدة متميزة، أطلق صاحبها عليها عنوان"المستور"! والمستور، هو كل ما يتعلق بالفقر تحديداً... الشاردة والواردة، كما يقال. ولعل هذا ما يميز هذه المجلة عن سواها من المجلات والدوريات العربية. فهي إذاً مجلة ليست نخبوية، ولا تعنى بالجديد في عالم الأدب الذي أصبح في العالم العربي من تجليات الترف إلى حد كبير، نظراً الى ارتفاع أسعار هذه السلعة، ونظراً الى انصراف الغالبية العظمى من الجماهير العربية إلى مطاردة لقمة العيش، ونصب الكمائن لها في الشوارع والأزقة، وعند أبواب الشركات العابرة القارات! وإذا لم يكن الأدب اهتمام هذه المجلة، فلا حاجة للحديث عن الفن ومستحضرات التجميل وأحدث التطورات في عالم السرعة، كسباقات السيارات والدراجات النارية والقوارب الطائرة. وإذا كانت"المستور"انطلقت - على غير عادة - من عمان، فهي - على غير عادة أيضاً - تنطلق بمبادرة من صحافي عادي غير ذائع الشهرة والصيت، وكل ما يمتاز به هو تاريخه الثقافي والسياسي، وكتاباته الرمثاوية - نسبة إلى مدينة الرمثا الحدودية ... هذه الكتابات التي تحمل نكهة خاصة يعرفها الأردنيون جميعاً، بما تنطوي عليه من مفارقات وسخرية، هي أقرب ما تكون إلى بنية النكتة السياسية في المجتمع المصري! مبادرة شخصية... لا مركز للدراسات الاستراتيجية، ولا مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني، ولا جامعة أو كلية أو اتحاد ثقافي... وعليه، فمن الطبيعي أن تكون مغامرة بالمعنيين، اللغوي والاصطلاحي للكلمة! أخفقت محاولات مؤسسات من قبل في مشاريع ثقافية، وأخفق أشخاص قادرون على تمويل مشاريعهم، وانبرى الصحافي أحمد أبو خليل لهذه المهمة، ونحن نعرف أنه شخص مزاجي، وغير مراوغ كما ينبغي لصاحب مشروع شخصي أن يكون، فما الذي دفعه إلى ارتكاب هذه المغامرة؟ الذي يعرف"الرماثنة"عن قرب، يعرف مقدار ما يمتلكون من حس الاستخفاف أمام الأفكار الجديدة والمغايرة، حس الاستخفاف بالنتائج السلبية، لا بأهمية هذه الأفكار ومدى قدرتها على تشكيل رأس جسر في معركة تحرير الساحة الثقافية من احتلالات تقليدية ونمطية. رأى أحمد أبو خليل أن هذا السكون والركود في الساحة الثقافية طال، وأن الأوان آن لإلقاء حجر في مياهه التي فاحت رائحتها، فتطوع لهذه المهمة، وهو يدرك العواقب التي قد تترتب على هذا الحجر! لكنه يتعامل مع هذه المغامرة بروحه الساخرة التي تمتلك المقدرة على احتمال الإخفاقات، حيث العالم هنا ليس سوى مجموعة من المفارقات والتجارب والخبرات التي علينا أن نخوضها، من دون تعقيدات الربح والخسارة التي تتميز بها دراسات الجدوى الاقتصادية في العادة. ولكن، لماذا"المستور"؟ ولماذا هذه المجلة التي تعنى بشؤون الفقر والفقراء؟ ولماذا في هذه المرحلة؟ ولماذا من عمان؟ هذه الأسئلة وسواها، لا يمكن التعامل معها إلا كحزمة واحدة، ما يعني أنها مترابطة، وما يعني بالتالي، أن الأجوبة مترابطة بالضرورة! فأحمد أبو خليل، قبل أن يكون صحافياً، هو حاصل على شهادة الماجستير في الأنثروبولوجيا، أي علم دراسة الإنسان، وبالتالي، فإن اهتمامه الأكاديمي منصب على المجتمعات والظواهر في المراحل الزمنية، والتحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والفنية التي تصيب هذه المجتمعات في مفصل تاريخي ما. والمفصل الراهن - في اعتقادنا - هو الأكثر ملاءمة لمثل هذا الاهتمام من متخصص مثل أبي خليل. فقد اتسعت دائرة الفقر في المجتمع الأردني، وارتفعت معدلات البطالة، وانقرضت الطبقة المتوسطة، وتحول المجتمع الأردني، كغالبية المجتمعات العربية إلى طبقتين: الفوق، والتحت! واللافت أن هذه التحولات كلها حدثت بعد اتفاقات التسوية بين إسرائيل، وبعض الدول العربية، ومن بينها الأردن، حيث كان الإعلام الغربي والعربي المواكب، يصور هذه الاتفاقات باعتبارها معبراً لشعوب هذه الأقطار نحو الرفاهية الاقتصادية، والحياة الاجتماعية الآمنة. وبالتالي، تجيء"المستور"مطلقة صيحة استنكار لذلك كله، ومحذرة في الوقت نفسه، من أن التمادي في توسيع الهوة بين الفوق والتحت، ستترتب عليه نتائج ربما لم تكن تخطر على بال أحد ممن يسوقون أوهام الانفتاح والعولمة واقتصاد السوق المتزامن مع تسوية النزاع العربي - الصهيوني، بغض النظر عن شكل هذه التسوية وجوهرها! قرأنا بعض الانتقادات الموجهة إلى هذه المجلة، ومن أهمها على الإطلاق، تلك المتعلقة بسعر النسخة للقارئ، باعتبار القارئ هنا، وفي المقام الأول، هو ممن ينتمون إلى طبقة التحت، حيث المجلة مهتمة بشؤونهم اليومية، بهواجسهم وأحلامهم ومعاناتهم ووسائل عيشهم، وآفاق مستقبلهم. ترسم"المستور"مشهداً لا يصل إليه الإعلام الرسمي، ولا الأهلي النخبوي، وهي بذلك، تسلط الضوء على ما هو قابع في الزوايا الضيقة، والأزقة الخلفية في المجتمع، وترصد هذا الحراك الذي ينبغي لنا جميعاً أن ندقق في جوهره ومداه وآفاقه، بعد البحث المعمق في أسبابه وموجباته. وعليه، يمكن القول إن"المستور"ديوان شعر الصعاليك الذي حاول أسياد القبائل طمسه ومحوه من خريطة الشعر العربي، سعياً للحفاظ على المعلّقات التي تحافظ على بنية القبيلة، وتحصنها ضد عوامل التغيير والرفض! وپ"المستور"بذلك، تصبح مجلة النخبة السياسية والثقافية شاءت أم أبت. فهذه النخبة التي تراوح بين المشاريع النمطية للتغيير، والاستسلام لمعطيات الراهن، هي في أمسّ الحاجة الى مشهد لم يعد مألوفاً لديها كما كانت عليه الحال قبل عقود ثلاثة أو أربعة، حين كانت هذه النخبة ملتصقة بالمنشأ والأصل، وباحتياجات هذا المنشأ وتطلعاته وأحلامه وهواجسه الإنسانية. خمسة أعداد صدرت. لم تتوقف"المستور"بعد! ونقول"بعد"بقلق، لأننا نعلم جيداً مدى الجهد الذاتي الذي يبذله صاحبها لاستمرارها، وإذا أخذنا في الاعتبار حالات الضعف البشري والإحباط واليأس والعواقب المادية الثقيلة التي قد تترتب على أبي خليل، فإن هذه الپ"بعد"تصبح مشروعة تماماً! فهل يعني ذلك نداء للمساعدة؟ المساعدة الوحيدة التي قد تنفع في هذه الحال، هي في الدعم المعنوي أولاً لهذه المجلة وصاحبها، مصحوباً بالترويج لها، وتسويقها، كي تظل قادرة على استنشاق ما يتيسر من أوكسجين الحياة! وما عدا ذلك، فنحن مع صاحبها في تحصين صفحاتها ضد التأجير والبيع أو الارتهان. ولكننا معه أيضاً في البحث عن المقومات الأساسية للبقاء، من دون خدش أو مس بجوهرها وأهدافها، ومن دون أي محاولة لإضعاف الضوء المسلط على الشارع الخلفي! "المستور"، مجلة الكشف، والباحثين عن الجانب الآخر من المشهد الكلي، وفي لغة الأدب، مجلة"المسكوت عنه في النص"! وهو أكثر أهمية مما يقوله ظاهر النص!/.