بعد ارجاء محسوب، اعتبره البعض نوعاً من التردد، عادت"مؤسسة النفط الوطنية"الليبية للإعلان عن الاستدراج العالمي الثاني للعروض الذي تطرحه لاستغلال 26 ترخيصاً. واللافت هذه المرة أن 12 منها يتمحور في حوضي سرت ومرزوق. ما يعني بأن القيمين على هذا القطاع لا يهدفون الى جذب أكبر عدد ممكن من الشركات النفطية العملاقة فحسب، بل الى حشرها في وضع تنافسي حاد يفضي بها الى تقديم الكثير من التنازلات، هذا من جهة، واللعب على أهمية الحقول في هاتين المنطقتين، اضافة الى تحديد اقفال تقديم العروض في الثاني من شهر تشرين الأول أكتوبر المقبل من جهة أخرى. فمهلة تزيد على خمسة أشهر تعتبر كافية لجس نبض الجميع، وكسب الوقت لتمرير الرسائل في جميع الاتجاهات وصولاً الى تحقيق أفضل الشروط مع مراعاة الجوانب السياسية. وهو تشخيص يقر به"ضمناً أحد كبار مسؤولي"مؤسسة النفط الوطنية". وما زاد في حالة القلق والارباك لدى الشركات المهتمة بالعرض الجديد، خصوصاً لناحية امكانية وجود خيارات مسبقة لدى أصحاب القرار في طرابلس الغرب، الاتفاق بين رويال دوتش شل وشركة النفط الوطنية الليبية، الهادف الى تطوير أبرز مشاريع الغاز في البلاد. ويتضمن هذا المشروع ثلاثة جوانب: تجديد مصنع مرسى - البريقة، وامكانية انشاء مصنع جديد للغاز الطبيعي المسال، واستغلال خمسة مواقع في خليج سرت، احدى أهم مناطق الانتاج في الجماهيرية الليبية. يستدل من هذا التوجه أن الجهة المشرفة على قطاع الطاقة، والتي ليست بالضرورة الحكومة التي يقودها السيد شكري غانم، قد عمدت من وراء توقيع هذا الاتفاق عشية الاعلان عن استدراج العرض الثاني، الايحاء بأن مقولتها المتعلقة بتنويع الشراكات، خصوصاً في هذا القطاع، لم تعد سارية المفعول، كما كانت عليه الحال خلال حقبة الحصار الاقتصادي. ان هذه الأخيرة، التي فرضت على القيادة الليبية تطبيق هذه النظرية، إذ نالت الشركات النفطية الأوروبية مثل توتال الفرنسية، وأجيب الايطالية، وريبسول الاسبانية، حصة كبيرة على حساب نظيراتها الانكلو - ساكسونية، الأميركية منها تحديداً، عادت و"انتقمت"بمساعدة ليبية واضحة. فكان ان حصلت شركة"أوكسيدنتال بتروليوم"وحدها على تسعة تراخيص للتنقيب في الاستدراج الأول. غير أنها لا تبدو قد اكتفت بذلك، ما يقلق كثيراً هذه الشركات الأوروبية التي بدأت بتكليف الكثير من المستشارين ممن تربطهم علاقات جيدة مع رموز السلطة الليبية، أو ممن يملكون مداخل مهمة على مستوى شركة النفط الوطنية الليبية. واذا كان المسؤولون في هذه الشركة يؤكدون للجميع بأن العروض الأفضل المقدمة، والمستوفية لجميع الشروط، هي التي ستنتزع حصة الأسد من العقود، الا ان هنالك احساساً لدى خبراء هذه الشركات الأوروبية العاملة في ليبيا بأن عملية فض المظاريف في فندق"المهاري"بطرابلس الغرب بين الساعة الثامنة والعاشرة صباح يوم الثاني من تشرين الأول أكتوبر المقبل، ستكون على الأرجح صورية. تماماً كما كانت الحال بالنسبة الى سابقتها التي استبعدت فيها كلياً الشركات الأوروبية. ما يؤكد بأن الخيارات قد حسمت مسبقاً، وبأن العودة للحديث عن الشراكات ليس الا من باب المجاملات. في هذا السياق يتردد في أوساط شركة"أجيب"الايطالية، بأن اللوبي الانكلو - ساكسوني، يتزايد عدده مع مرور الأيام. فالمؤشرات على ذلك أكثر من أن تحصى. أولاها، تنظيم الاجتماع الثاني والأخير الخاص بتقديم الاطار العملاني للعرض الجديد الذي عقد في لندن يوم الاثنين الماضي بتاريخ 23 أيار مايو. ثانيتها تعيين مسؤولين أميركيين معنيين بشؤون الطاقة في مراكز مهمة لدى الشركات النفطية العائدة لليبيا. في طليعة هؤلاء، وزير الطاقة الأسبق، سبنسر ابراهام، الذي طلب منه راي ايراني، الرئيس التنفيذي لأوكسيدنتال، الانضمام لمجلس ادارة الشركة، وتجدر الاشارة الى ان هذا الأخير زار طرابلس الغرب بعد أيام من صدور القرار برفع الحظر على السفر لليبيا حيث اجتمع بالعقيد القذافي مرتين متتاليتين خلال وجوده هناك. تعزز هذه المؤشرات الشكوك الموجودة أصلاً لدى الشركات النفطية الأوروبية لناحية وجود صفقة اقتصادية وسياسية متكاملة بين الحكم في ليبيا والادارة الأميركية. ما يقلل حكماً فرص الحصول على تراخيص في الجولة المقبلة. كما من المتوقع أن تعمد"اللجنة الشعبية العامة"لشؤون النفط في ليبيا، أن تعطي حصة رمزية تتراوح بين ستة أو سبعة تراخيص لشركات نفطية من العالم الثالث، على غرار ما حصل في المنافسة الأولى، حيث حصلت شركة"سوناطرك"الجزائرية على حصة محدودة. على أية حال، تدرك كبريات الشركات النفطية العالمية بأنه منذ ابتعاد الرائد عبدالسلام جلود عن الساحة السياسية، وبالتالي تخلّيه وفريقه عن ادارة شؤون القطاع النفطي، بات العقيد القذافي يهتم شخصياً بهذا القطاع بأدق تفاصيله. ما يعني بأن أي قرار في هذا المجال لا بد أن يخضع لحسابات تدخل السياسة في صلبه. وبما أن التوجه السائد اليوم يتلخص بتعزيز العلاقات مع الولاياتالمتحدة الأميركية، فلقد بات من الطبيعي أن تحصل شركاتها على حصة الأسد في أية عملية استدراج للعروض. ومن المؤشرات الملموسة في هذا الاتجاه، بالون الاختبار الذي أطلقه الساعدي القذافي في حديثه لصحيفة"الفاينانشل تايمز"حول استعداد الحكومة الليبية لبيع نحو 50 في المئة من أسهم شركة"تامويل"النفطية التي تملك الآن من محطات التوزيع في كل من ايطاليا وسويسرا لمستثمرين أجانب، لكن المهم في ذلك، هو رفض الليبيين حتى اللحظة جميع العروض التي تقدمت بها مجموعات عدة في البلدين كليهما. ما يعني، وهذا ما أشار اليه أحد المقربين من الساعدي القذافي، بأن مفاوضات تجري مع شركات أنكلو - ساكسونية. ان الطريقة والنتائج التي سيتم على أساسها توزيع ال26 ترخيصاً في تشرين الأول المقبل، ستحدد في شكل ثابت وشبه نهائي التعاطي المستقبلي في قطاع الطاقة. كذلك، حسم الخيارات لناحية الشركاء الرئيسيين والموسميين، فمن الآن وحتى الموعد المحدد، سيحاول المسؤولون الحكوميون، كذلك المشرفون على مؤسسة"النفط الوطنية الليبية"، اقناع من يهمه الأمر بأن الأولوية ستعطى للعرض الأفضل، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية والجغرافية. باحث اقتصادي.