سألني ان ابقى ايضاً... ومن دون ان استطلع نظراته وأدرك سبب طلبه، اجبت في شكل قاطع:"لا استطيع، لدي عمل ملح!". اما هو فلم يلح. نهض من على كرسيه، تأملني قليلاً ثم ادار ظهره ومشى... رافقته عيناي وهو يخرج بخطى بطيئة... بدا لي اكثر بدانة من المعتاد... ووجهه مجهد! تذكرت انه خلال تناولنا الغداء لم يبتسم ولو لمرة واحدة وهذا ليس من عادته هو المرح الضاحك دائماً! بررت ذلك بأنه التعب وبداية فصل الحر الذي يسلبه نشاطه... رأيته يبتعد، يضيع في زحمة الشارع وقلبي ينسلخ عني ويتبعه! فجأة شعرت بالقلق، بما يشبه وخز الضمير: لماذا لم أستجب لطلبه؟ لماذا لم ألغ كل ارتباط ونبقى معاً طالما هو أراد ذلك وطالما اننا نادراً ما نحظى بفرصة مماثلة نكون خلالها وحدنا، وجهاً لوجه، بعيداً من المنزل، نتناول الطعام بمفردنا، من دون ان يقاطعنا إشكال بين الأولاد او ضرورة تدخل مباشر لتصريف امر عاجل؟ انه يحتاج إلي حتماً ربما لاستشارة في قضية تشغله ويحتاج الى رأي آخر... ألم نعتد ان نتشاور دائماً في حل قضايانا المهنية او على الأقل نسترشد بنصيحة يسدي بها احدنا الى الآخر؟ ربما هو الآن في حاجة الى شيء من هذا القبيل! ربما انتابته لحظة احباط، احتاج إلي لأن اشاطره حديثاً مؤنساً يبدد انزعاجه، من يعرفه اكثر مني، من يعرف حساسيته المفرطة وتطيّره احياناً وعاطفته الفياضة؟ اشعر بدمع يتجمهر في عيني! اغادر مسرعة في الاتجاه المعاكس اقاوم هذه الهواجس وأمضي الى حيث انجز ما تبقى من عمل وأعود سريعاً... بأسرع ما يمكن! استقليت السيارة وتهت مثله في زحام الشارع، كدت اكثر من مرة ان اتعرض لحادث سير. الزحام اكثر من عادي وأنا قلقة وعلى عجلة من امري. حاولت ان اتشبه ببعض السائقين الذين يخترقون صفوف السيارات اعتقاداً منهم انهم يستطيعون ايجاد منفذ او طريق فرعي يخرجون منه ويتفادون جحيم الانتظار، لكن محاولاتي باءت بالفشل وأدركت ان علي التحلي بالصبر وتحمل هذا العقاب بأعصاب باردة! لماذا لا انشغل بمحادثته... ربما كلمة عبر الهاتف تطمئنني؟ لكن هاتفه مقفل لا يجيب! وصلت الى موعدي متأخرة ولم تكن مهمتي المهنية ناجحة. جمعت اوراقي وأسرعت في العودة الى المنزل. هو حتماً سبقني إليه... سنرتشف قهوتنا على مهل، سنتحدث طويلاً، سأنصت وأنصت وأعتذر له باللغة التي يعشق لأنني خذلته، لأنني تجاهلت حاجته إلي واستجبت لنداء عملي... لكن، لو كان الأمر معكوساً اما كان تصرف هو بالطريقة عينها؟ لماذا ارتبك اذاً وأعاقب نفسي؟ المنزل فارغ... لم يحن موعد عودة الأولاد وهو ليس هنا. اتصل به ثانية... هاتفه لا يزال مقفلاً! اكاد اجن... ماذا افعل؟ تهالكت على المقعد ورحت اتأمل في سكون المنزل. كم يبدو حزيناً حين يكون فارغاً! سيصل الأولاد بعد قليل! لن اظهر لهم قلقي! علي ان اهدأ! لماذا اتشاءم وأبالغ في تصور السيئ؟ امطرت وجهي برشقات من الماء البارد وأغمضت عيني فعادت صورته الى خيالي كما رأيته يبتعد بتثاقل وخطى بطيئة... يا الهي ما به؟ عاودت الاتصال! لا شيء تغير! سمعت صوت الأولاد يقترب من الباب، هرعت أفتحه واستقبلهم بابتسامة مستعارة كي لا يقلقوا بشأن امر انا لا اعرفه! شُغلت بهم لأكثر من ساعة: ساعدتهم على الاستحمام السريع وتناول الطعام واستمتعت الى جديد يومهم وما ان استقروا في غرفهم لإتمام واجباتهم المدرسية حتى سمعت صوت المفتاح يدور ويشرع الباب ويطل امامي بقامته المديدة، بابتسامته المعتادة، بصوته العذب ينادي:"ها قد اتيت!"وكأن شيئاً لم يكن! اقتربت منه بلهفة أحضنه وأطوّقه بذراعي ما ادهشه وأثار اسئلته حول"عاطفتي المفاجئة"نحوه: - هل هذا عتاب ام ماذا؟ - مجرد سؤال! - لقد قلقت عليك! - علي؟ لماذا؟ - لم ترد على مكالماتي! - انا؟ ومد يده الى هاتفه يتفحصه"نسيته مقفلاً منذ كنا معاً... لم أشأ الإزعاج!". هل اشرح له قلقي منذ ابتعد عني؟ هل يفيد ان استرسل في التفاصيل وأعبر له عما ساورني من مخاوف وأسئلة؟ ربما فنجان قهوة نرتشفه معاً على الشرفة ينسيني ويتيح له ان يحكي ويبوح... ونعاتب العمل لأنه يسلخنا عن لحظات نحتاج خلالها ألا يكون لدينا إلا نحن... ونشكره في الوقت عينه لأنه لولا انشغالنا به لما انتابتنا لحظات شغف وحنان كتلك التي اقلقتني وأشعرتني بمدى الحب الذي احمله له في اعماقي!