تعثرت قدمي وسقطت أرضاً. كنت أنزل درج المنزل مهرولة بالوقت الهارب مني أبداً. حاولت لملمة نفسي والنهوض، لكن عبثاً، كان الألم لا يحتمل. رمى ولداي كتبهما أرضاً وأسرعا لنجدتي في حين كاد زوجي، لفرط قلقه، أن يتعرّض للمصير عينه فيتعثر بفعل نزوله الدرج بسرعة قياسية كادت تفقده توازنه. رافقني الجميع الى المستشفى. هذا يحضن يدي وذاك يمسح وجهي وآخر يقبّل جبيني. لقد كان قلقهم عليّ كبيراً فأحاطوني بعاطفة أنستني الألم وأفرحتني وأشعرتني بأمان الحب والاحتضان. شخّص الطبيب أن قدمي قد أصيبت بالتواء يستوجب الراحة التامة وعدم المشي لمدة أسبوعين. وفي حالات الضرورة القصوى يجب الاستعانة "بالووكر" لتفادي أي ضغط قد يؤخر موعد شفائها. أسبوعان بكاملهما! هذا يعني اجازة قسرية مزدوجة من العمل ومن المنزل... وكيف سيتدبرون الأمور من دوني في العمل وفي المنزل؟ صاح ولداي: "لن نذهب اليوم الى المدرسة! سنلازمك ونهتم بشؤونك". وبدا أن زوجي بدوره يتردد في الذهاب الى عمله. لكنني اعترضت بحزم: لا... لا يمكن أن أسبب لولدي خسارة يوم مدرسي. وأيضاً بالنسبة الى زوجي، ان وجوده في مكان عمله أساسي جداً والتغيب قد يسبب له متاعب هو في غنى عنها. رضخ الجميع لإصراري ووعدتهم بأنني سأرتاح وأدير شؤوني مستعينة بالهاتف والصحف والكتب والتلفزيون. حينما عادوا مساءً هرعوا للاطمئنان عليّ وطمأنونني بدورهم ألا مشكلة في تحضير الطعام لأن الDelivery يفي بالغرض. أراحني في البداية ألا يكون هذا الحادث الذي ألمّ بي سبباً لإرباك حياتهم. فها هم يتدبرون أمورهم جيداً. وكذلك الأمر بالنسبة الى العمل. لقد تم فصل موظف للقيام بمهماتي والأعمال تسير بانتظام فالهاتف لم يعد يرن إلا نادراً. لكن ما يدهشني هو هذا التكيف السريع مع غيابي أنا التي كنت أعتبر نفسي المحور الأساسي في المنزل وفي المكتب، فأوصل الليل بالنهار لإنجاز كل التفاصيل وتفادي أي تقصير أو خلل. سريعاً مشت الحياة من دوني... بل انني أشعر بها تبتعد مني كثيراً لفرط سرعتها وأسأل كيف يسعني بعد نهاية اجازتي المرضية اللحاق بها؟ حينما عدت الى العمل كدت لا أعرف مكتبي. معالمه تغيّرت تماماً. الهاتف الذي كان يشغل الزاوية على يميني أصبح الى اليسار لأن الموظف الذي حلّ مكاني أعسر... وبحسب رأيه، فإن قطع الديكور التي وزعتها على المساحات الفارغة من المكتب هي أمور تافهة تربك حركة العمل. لذل تخلّص منها. أما الملفات فقد وجد لها مكاناً آخر. وفي المنزل، لم يعد للأطباق التي أعدّها تلك النكهة المميزة. ولاحظت جديداً طاول ديكور الصالون والغرف. انهما أسبوعان فقط! لكن التغيير الذي حصل خلالهما أشعرني وكأنني كنت في غيبوبة لسنوات. انها مجرد اجازة مرضية لأسبوعين فقط، ان آلة الحياة تملك من الشراسة ما يجعلها تتجاوز وتسحق بصلف كل من يتخلّف عن اللحاق بعجلة دورانها حتى لأسباب مبرّرة. وفي ما نعاني في مجتمعاتنا ودولنا من مآسٍ وتخلّف وفقر وأمية أصدق البراهين!