كانت ترابط عند مدخل منزلها، ما ان تراني اقرع باب قريبتي المجاور حتى تناديني وتلح عليّ بالزيارة. وأنا لا ارد طلبها. هي صديقة امي الراحلة. لا استطيع ان احدد تماماً عمرها. لم أجرؤ على سؤالها مرة، حتماً تجاوزت السبعين بسنوات، لكنها لا تزال على ليقاة راقية وحديث عذب يفيض حنيناً للماضي وللوجوه التي تغيب الواحد تلو الآخر. تقبلني بحرارة قائلة: "أنت تشبهين امك... حين اراك اشعر وكأن الزمن قد عاد بي سنوات الى الوراء. اياك ان تمر بي في الحي من دون ان تعرّجي صوبي!". وكيف لا اعرّج صوبها وفيها كل اطياب الزمن المنصرم! فيها ملامح تشبه تلك التي طبعها النظر في ذاكرتي عن أمي، عن وجه أمي وصوتها ومفرداتها ورائحة ثيابها. انها عصر بكامله! ما ان تضمنا غرفة الاستقبال في بيتها حتى اشعر وكأنني انتقل بالزمن الى سبعينات القرن الماضي حين كانت في ذروة شبابها وانتعاشها الاقتصادي والاجتماعي. التماثيل العاج والخشب التي استقدمتها معها من افريقيا لا تزال ثابتة في مواقعها، في الزوايا وعلى الجدران، تحرص على تلميعها واعادة البريق اليها في بداية كل صيف حين تعود الى القرية بعد غياب شهور الشتاء التي تمضيها في شقتها في المدينة. لهذه التماثيل مكانة خاصة في حياتها. هي رمز السنوات التي عرفت فيها، بسبب هجرة زوجها الى غانا، بحبوحة مادية جعلتها تقتني ما يعجز الآخرون عن اقتنائه. في كل زيارة لها، يدور الحديث حول جانب من ماضيها، تروي مجده الغابر وتقارن وتقوّم. لكنها سرعان ما تذعن وتقول: "انها الحياة! لا أمان لزمن! لا أمان لأحد!"، وتنتابها مسحة مرارة حين ينتقل الحديث الى ابنها الوحيد الذي هاجر منذ سنوات الى الولاياتالمتحدة الاميركية ولم يعد... لم يتزوج ولم يعد!" لكنها تعزّي نفسها بأحفادها، اولاد ابنتها البكر فتنسب اليهم الذكاء الخارق! يمتعني شغفها بهم وانحيازها لكل من ينتمي اليها. فبعد ان تستفيض وتسنتفد كل ما لديها من تفاصيل عنهم، تتذكر امي وتحرّض الدمع في عيني. لكنها سرعان ما تستدرك معتذرة عما تعتبره خطأ ارتكبته في تذكيري بها. اطيّب خاطرها: "انا لا انساها ابداً. واذا غابت عني فأنت تشغلين موقعها في القلب!". تفرح لكلماتي. تضمني اليها بحرارة وحنان. لا اعرف لماذا تحمل اليّ كل هذا الحب! لا اذكر انني قدمت اليها شيئاً يذكر او اديت لها خدمة معينة. لكنني احرص على زيارتها دائماً والانصات اليها وتذوق كل ما تقدمه اليّ. انها تحبني ويفرحني كثيراً هذا الحب، يمنحني الأمان! حين زرت قريبتي أخيراً، لم اعرّج عليها، حتى انني حرصت على ان لا اتواجد في مرمى نظرها. كنت على عجلة من امري والوقت يداهمني. قلت في نفسي: "الويك أند المقبل سأورزها مطولاً، سأرتشف معها القهوة ونتحدث كالعادة". ان زيارتها جزء اساسي من طقوس زيارة قريتي التي تبتعد عني وتبعدني الظروف عنها. ان صديقة امي هي رباط عاطفي متين يشدني الى هذه الارض التي حضنت طفولتي وزودتني بشحنة احلام تدفعني دائماً للتجاوز والتطلع بعيداً. "الويك أند" الموعود يقترب. امامي، يومان. افيق باكراً وأعد نفسي لانجاز ما تبقى من اعمال. يرن الهاتف. قريبتي تطلعني والدموع تكسر صوتها: ماتت جارتي... سكت قلبها وهي على الشرفة ترتشف قهوتها الصباحية... سقط الفنجان من يدها وهوت وأطبقت عينيها على ابتسامة ساخرة لم تشأ قط ان تغادرها! كيف اسامح نفسي لأنني لم أفِ بوعدي لها؟ كيف يمكنني ان انسى طيفها وقد رأيتها عن قرب؟ كانت تدير ظهرها متجهة صوب منزلها. هل رأتني وعتبت عليّ؟ لقد تحاشيت ان اراها. كنت خائفة من الوقت. الوقت اللعين الذي يداهمنا ويطاردنا دائماً ويفوّت علينا لحظات لقاء لو انجز لكان بلسماً لوخز سيربض ابداً على تخوم الذاكرة يسرّب اليها وجعاً لن تسعف كل عقاقير العدو في الزحام ان تشفيه. انه وجع الحنين لوجوه تحط بثقل ذكراها في القلب وتختفي، تحمل معها الطفولة والدفء والمودة وتختفي! غيابها يخلّف في الاعماق فراغاً، عبثاً نلهث وراء الزمن الآتي. فكل اكتظاظ وجوهه تعجز عن اشاعة فرحة تطل من ذكرى وجه كان له في الزمن الندي بريق ضوء او همس عابر نجتاز شوارع المدن وصداه يرتج في اعماقنا.