سوف يشكل الخلاف حول ماهية الأحداث التي أطّرت جلاء القوات السورية عن لبنان، هل هي انتفاضة استقلالية أم هي انتقال من حالة وصاية"أخوية"إلى حالة وصاية دولية، فصلاً جديداً من فصول التناقض والتضارب بين السرديات المتداولة في المجتمع اللبناني حول الماضي، السحيق منه والقريب. والواقع أن الاختلاف في الرأي والرؤيا كان ولا يزال سمة أساسية من سمات الثقافة اللبنانية، وهو مصدر ثراء وتنوع وتعددية من جهة، لكنه، من جهة أخرى، كان دوماً قابلا للتوظيف لصالح أهداف سياسية ذاتية. والواقع أن السرديات اللبنانية المتنافسة كانت إلى أمس قريب شبه محصورة في النطاق الخلفي للفكر والمجتمع اللبنانيين، وذلك نتيجة لعاملين رئيسيين. فالأول كان النفوذ السوري، الذي تأرجح وفق المراحل بين الوجود المشرعن والاحتلال البشع. فهذا النفوذ ساهم من خلال التدخل المتعدد الأبعاد والمستويات في تقييد القراءات المعلنة لواقع الحال وأسبابه البعيدة والقريبة، لكنه أيضاً شكل عنصر تركيز لخصومه، فساهم في تلطيف نقاط الاختلاف بين السرديات التي تتفق على ضرورة مواجهته. أما العامل الثاني فهو التوجه اللبناني العام إلى طي صفحة الأمس المرير مع انتهاء الحرب الأهلية. وقد اتخذ هذا التوجه أشكالاً عدة، من قرار العفو الذي سمح للطبقة السياسية ومعظم زعماء الحرب بالاستمرار في مواقع السلطة دون محاسبة عن المرحلة السابقة، إلى الرفض الطوعي للذاكرة في أوساط مجتمع مثخن بجراح حرب استطالت وتعددت مصادر الأذى والشدة فيها. غير أن التطورات الأخيرة في لبنان قد أدّت إلى إزالة شبه فورية لكلا العاملين. فما تلا جريمة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في 41 شباط فبراير الماضي، كان اندحاراً قسرياً غير مرتقب للنفوذ السوري من جهة، لكنه كان كذلك نقطة تحول في التعامل العلني مع الحرب الأهلية، مع تبديل ذكرى اندلاعها الثلاثين إلى احتفال وحدة وحياة. فهذا التبديل الذي جاء إقراراً وتكريساً للدور الطليعي لجيل ما بعد الحرب في الإمساك بزمام المبادرة في التحرك العلني، مظاهرات واعتصامات واحتفالات، يعكس كذلك تفاوتا جيليا متصاعدا بين جيل عايش الحرب راغب في استعادة ذكراها، وجيل تال عاش مخلفاتها راغب في استعادة مجرياتها. فجريمة 14 شباط وما تلاها من تطورات أسرعت بتحقيق الانتقال من ترجيح الرغبة بالصمت عن الحرب الأهلية إلى الرغبة في فتح ملفها. غير أن هذا الانتقال يحدث لا في إطار استقرار سياسي وأمني واجتماعي يسمح باستيعابه والتعامل معه إيجابياً، بل في خضم استحقاقات جسيمة، انتخابية وتنظيمية، محلياً ودولياً. ففي حين لا يمكن التغاضي عن واقع حصوله، لا بد من تحديد المحاذيرالمرتبطة به، وأولها دون شك غياب المساحة الوطنية غير الفئوية، خطاباً وتنظيماً وثقافة. ويمكن العودة في محاولة تفسير هذا الغياب إلى حقيقة أن لبنان بصيغته الحالية ليس وليد تواصل تاريخي طوعي، بل هو حدث تركيبي أقدمت عليه جهة خارجية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. فلبنان إذن تآلف طوائف أقصى ما تسعى إليه هو"العيش المشترك"وفق العبارة المتداولة محلياً. ويراد لهذه السردية، في صيغتها الإيجابية أحياناً، أن تكون سردية التوافق والتعددية، بل النموذج القابل للتعميم. ويذكر هنا استطراداً أنه قد كان لهذه السردية تأثير على التقييم الدولي للوضع العراقي، من خلال بعض الشخصيات اللبنانية النافذة فكرياً، وعلى الصيغة التي جرى اعتمادها تطبيقياً في العراق، دون الالتفات إلى حقيقة الاختلاف بين الواقعين اللبنانيوالعراقي. فجرى تأصيل فئوية كانت قائمة إنما بشكل غير حصري في الخطاب والممارسة السياسية العراقيين، على حساب بعد وطني عراقي جامع كان بالإمكان تثميره والركون إليه. والمعضلة الجوهرية في هذه السردية، والتي تشكل في صيغتها المشذبة نقطة انطلاق لسرديات فئوية عدة، هي أنها تنطلق من فرضية أصالة الانتماء الطائفي في تحديد الهوية في مقابل طارئية غيره وأوليته في تحديد المصالح. وسواء كان الأمر إقراراً علنياً أو قبولاً ضمنياً، فإن هذه السردية تجعل من الهوية الوطنية طموحاً مستقبلياً، وهي وإن دعت إليه ترى أن تحققه لا يكون إلا بالتوجيه والتثقيف والتأسيس. ولا شك، إلا إذا كان التمني هو أساس التحليل، أن الانتماء الطائفي في لبنان يبقى عامة الانتماء الأول. غير أن هذا الإقرار لا يستلزم التسليم بمفعول رجعي لهذه الأولية وصولاً إلى حد الأصالة. والواقع أن معظم القراءات التي سعت إلى تبين أصالة الانتماء الطائفي تقوم على أسس أهوائية قابلة للإسقاط عبر مراجعة بسيطة للمعطيات التاريخية، من وهم"الفينيقية"بأية صيغة على الإطلاق، مروراً بالمبالغة في مقولة"اضطهاد الأقليات"، إلى وهم"العروبة"بما يتجاوز البعد الثقافي أو ما يفترض تراتبية فيها لصالح فئة أو أخرى. ثم ان الانتماء الطائفي، وإن كان الأول أو الأكثر استفادة من وعي ناطق به، ليس الانتماء الأوحد. فبالإضافة إليه، كانتماء"عمودي"، يتوزع اللبنانيون في انتماءات"أفقية"تناقضه، أهمها اليوم الانتماءات الجيلية والثقافية والنمطية والطبقية. وهذه الانتماءات التي تخترق الطوائف هي التي تستحوذ على الأولية في تحديد المصالح، لا الانتماء الطائفي، وإن كانت تفتقر إلى التأطير الخطابي القادر على التعبير عنها وإبرازها. والواقع أن التنافس بين الانتماءات، الطائفي في مقابل نقائضه"الأفقية"، ليس جديداً في تاريخ لبنان كوطن، وإن كانت الحرب الأهلية قد نسفت المكاسب التي حققتها هذه النقائض في الستينات ومطلع السبعينات. وعلى الرغم من تكريس التأطير والتأصيل الطائفيين في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، فإن تنامي التواصلات الأفقية، وإن بشكل ضمني وصامت، قد حدث فعلاً، بتفاوت وتأرجح وتردد. يمكن هنا الإشارة إلى رفيق الحريري نفسه، إذ هو كان في الأساس صاحب مشروع"أفقي": ففي حين أن موقعه كرجل دولة وسياسة قد تعرض لانهزامات أعادت تعليبه"عمودياً"أي طائفياً، فإن مبادراته وانتاجاته الاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية حافظت على بعض ما يعزز الأبعاد الأفقية. فمن هنا جاءت صلاحيته كرمز"وطني"، وإن لأهداف آنية أو حتى انتفاعية، لدى البعض ممن اختلف معه سياسياً ووسمه بالطائفية أو الطبقية في مراحل ماضية. فغياب المساحة الوطنية غير الفئوية في الثقافة اللبنانية عائد فكرياً إلى تجذر سردية التوافق والتعددية في شكلها التأصيلي للطائفية من جهة، لكنه عائد ميدانياً كذلك إلى التطفل الهادف الذي مارسه النفوذ السوري في لبنان والمانع على مدى أعوام ما بعد الحرب الأهلية من ترجمة التعزيز الطبيعي والتلقائي للتواصلات الأفقية إلى طرح سياسي ناطق خارج الإطار الطائفي. وبطبيعة الحال، فإن الطبقة السياسية اللبنانية القائمة على القاعدة الطائفية مستفيدة من هذا المنع. والآن، ومع انحسار النفوذ السوري، ومع تخبط ما تبقى منه مباشرة وتحالفاتٍ، يرتفع عائق المنع الفوقي. غير أن ما سوف يتبع من إطلاق العنان للسرديات الفئوية الصارمة قد يشكل تحدياً أخطر من الكبح الناجم عن ممارسات التسلط السوري. والمطلوب ليس التصدي لهذه السرديات التي لا بد أن تستقطب شرائح واسعة من الجمهور، لا سيما من الفئات الشبابية التواقة إلى الطرح الواضح والصيغة القاطعة. بل المطلوب الاستفادة من الواقع الموضوعي الآخر، واقع التواصلات الأفقية، لانتاج سردية، أو على الأقل مقومات خطابية، تمكّن المجتمع اللبناني من استحضار البديل للسرديات الفئوية الطائفية كي يجري الفرز بينها على أساس الهوية غير المحصورة بالبعد الطائفي، وعلى أساس المصلحة الموضوعية الآنية والطويلة الأمد. كاتب لبناني