قبل شهور قليلة من الحرب التي أطاحت نظام صدام حسين كتبت في"الحياة"مقالا عنوانه:"لماذا لا يفكر الأكراد بالحكم في بغداد؟". السؤال إنطوى ضمنا على إفتراض أن طموحهم يقتصر على الحكم في كردستان. اليوم يمكن إعطاء جواب محدد عن السؤال هو: نعم، الأكراد يفكرون بالحكم في بغداد. انتخابات الأحد الماضي جعلت الأكراد بين ليلة وضحاها لاعبا رئيسيا، كي لا نقول"صانعي ملوك"، في العراق، تحديدا في بغداد. الفرز النهائي للأصوات يٌتوقع أن يؤكد حصول القائمة الكردية على نحو ثلث المقاعد في المجلس الوطني العراقي المنتخب. والواقع أن الكتل السياسية العراقية المشاركة في الانتخابات بدأت بعدها بسرعة باجراء اتصالات و"مشاروات"غير رسمية مع الزعماء الأكراد لجس نبضهم في ما يتعلق بنواياهم لجهة التحالفات المحتملة نتيجة للانتخابات. والأكيد أن المناورات والاتصالات، بعضها على المكشوف وبعضها الآخر الأهم وراء الكواليس، من أجل التوصل الى اتفاقات نهائية، سيستغرق أقصى فترة يسمح بها القانون قبل إعلان أركان الحكم الجدد: رئيس الدولة ونائبيه، رئيس الوزراء وأعضاء حكومته، رئيس المجلس الوطني. المراسلون والمراقبون تحدثوا كثيرا عن الخيارات المحتملة للتركيبة الجديدة للحكم في العراق. رئيس الدولة كردي ونائباه سني وشيعي. أو رئيس سني ونائباه كردي وشيعي. أما رئيس الوزراء فشيعي يكون نائبه كرديا. هذا كله يبقى في إطار العموميات، والأرجح أن تفاصيل أكثر تكون ظهرت يوم نشر هذا المقال، ونتائج أدق أعلنت بعد فرز الأصوات، أو غالبيتها الساحقة. بماذا يفكر الأكراد وما هو تصورهم للحكم في بغداد؟ أي تحالف سيختارون ولماذا؟ هنا بعض السيناريوهات المبنية على معلومات وتلميحات وأفكار مبنية بدورها على أن الأكراد لن يقبلوا بأقل من منصب رئيس الجمهورية بموجب اتفاق بين زعيمي الحزب الديموقراطي الكردستاني، بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، طالباني، الأمر الذي يلغي احتمال رئيس سني كالياور أو الباججي، علما أن هذا الخيار لن يواجه اي مشكلة في حال فوز الشيعة والأكراد بثلثي مقاعد المجلس الوطني. الاتفاق نص ايضا على ان يحصل الحزب الديموقراطي الكردستاني على رئاسة الحكومة في اقليم كردستان والاتحاد الوطني الكردستاني على رئاسة برلمان الاقليم. فما هي السيناريوهات؟ 1- رئيس الدولة كردي ممثلا بزعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال طالباني. شيعي زعيم حزب الدعوة من الأئتلاف العراقي الموحد ابراهيم الجعفري وسني عدنان الباججي او غازي الياور. بعض الأكراد ألمح الى احتمال أن يمثل العرب السنة الوزير حاجم الحسني القيادي السابق في الحزب الاسلامي العراقي الذي رفض الاستقالة بطلب من زعيم الحزب فانضم الى قائمة الياور. 2- رئيس الدولة طالباني ونائبان أحدهما وزير المال عادل عبد المهدي من المجلس الأعلى والإئتلاف العراقي الموحد والآخر سني كما في 1. يُشار الى أن بعض الأكراد يؤكدون أن قيادة التيار الشيعي الرئيسي الإئتلاف تفضل رئيسا كرديا للدولة. 3- رئيس وزراء شيعي ممثلا بزعيم الوفاق اياد علاوي ونائب كردي ممثلا بنائبه الحالي برهم صالح الذي لم تستبعد مصادر أن يتبادل ووزير الخارجية الحالي هوشيار زيباري منصبيهما في حال اتفقت قيادتا حزبيهما على ذلك. بعض الأكراد يفضل علاوي رئيسا للحكومة ولا يحبذه بعضهم الآخر الذي يدعو الى رئيس للوزراء من قائمة الأئتلاف العراقي الموحد، مراهنا على تحالف طويل المدى مع التيار الشيعي الرئيسي، بدلا من تحالف قصير المدى مع علاوي. معلومات تؤكد أن الإئتلاف لن يتنازل أبدا عن رئاسة الحكومة لمصلحة علاوي. وفي حال السيناريو الثاني فان هناك معلومات تؤكد أن هناك أربعة شخصيات في قائمة الإئتلاف يتنافسون على رئاسة الحكومة هم: عبد المهدي والجعفري والعالم النووي حسين الشهرستاني وزعيم المؤتمر الوطني أحمد الجلبي، علما أن المعلومات ذاتها تؤكد أن عبد المهدي يعتبر المرشح الأقوى. 4- عبد المهدي رئيسا للحكومة، ويبقى منصبا نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية في أيدي الأكراد. الى جانب هذه السيناريوهات، أو إضافة اليها، يتحدث الأكراد عن المزيد بما يتناسب وحصولهم على ثلث مقاعد المجلس الوطني، كما يتوقعون 90 من 275 مقعدا. فوفقا لهذا السيناريو يقول طالباني أن الأكراد سيطالبون بثلث الوزارات في بغداد. بعض الأكراد يلمحون الى أن مطالبهم قد تشمل وزارة النفط. طالباني الذي يعتبر مرشحا قويا لرئاسة الجمهورية قال، خلال لقاء معه في قلاتشوالان، مقره القريب من السليمانية، إنه في حال عدم حصول الاكراد على منصب رئيس الدولة فانه شخصيا لن يقبل بنيابة الرئيس، مضيفا أن منصب الرئيس في حد ذاته ليس مهما للأكراد الذين يريدون ان يعرفوا مسبقا برنامج الحكومة، أيا سيكون رئيسها، وموقفها من المطالب الكردية، خصوصا فيدرالية كردستان وضم كركوك اليها. فوق ذلك سيصر الأكراد، بحسب طالباني، على معرفة نيات الحكومة لجهة"الديموقراطية وحقوق الانسان وحقوق المرأة والعلاقة بين الدين والدولة". أما إذا كان الحصول على منصب رئيس الدولة على حساب المطالب الكردية"فليذهب المنصب الى الحجيم"، على حد تعبيره. هذه السيناريوهات لا تعني في أي حال أن الطريق أمام الأكراد خال من العراقيل. فالاتصالات الجدية بينهم والجماعات العراقية الأخرى لم تبدأ بعد بشكل جدي. وهم لا يعرفون تماما بعد ما هي المواقف النهائية لقائمة الإئتلاف العراقي الموحد التي قد يكون موقفها إذا حصلت على 40 في المئة من الأصوات مختلفا عنه في حال حصولها على 45 في المئة أو أكثر. ماذا سيكون الموقف من علاوي إذا حصلت قائمته على نسبة لا تتجاوز 15 في المئة أو أقل، كما يتوقع"الإئتلاف"؟ الى ذلك، على اي اسس سيتفق الاكراد في حال قرروا التحالف مع علاوي وقوائم أخرى أصغر كالحزب الشيوعي العراقي الذي يعتقد انه ربما يحصل على نحو 10 في المئة من الأصوات ويعتبر حليفا تقليديا للأكراد؟ هذه وغيرها أسئلة تحتاج الأجوبة عنها، قبل كل شيء، الى جهود بدأت بالفعل لتوحيد المواقف الكردية وتنسيقها وتسويقها كرديا وعراقيا. هذا كله ولم نتحدث بعد عن التأثيرات، كي لا نقول التدخلات، الخارجية المحتملة: الولاياتالمتحدة، ايران، تركيا، العرب، والأمم المتحدة التي سيكون لها بموجب قرارات مجلس الأمن دور وصوت في كتابة مسودة الدستور الدائم، وهي"أمّ"المهمات التي يتحتم على العراقيين أن يتفقوا على إنجازها.