إذا أردت ان تعرف الحقيقة عن جون كيري استمع الى حملات جورج بوش ومؤيديه عليه، وإذا اردت ان تعرف الحقيقة عن جورج بوش استمع الى حملات جون كيري ومؤيديه عليه. وإذا صدقت هذا وذاك، فأنت تخرج بانطباع هو ان الاثنين لا يستحقان الرئاسة، اي رئاسة، ناهيك عن رئاسة الولاياتالمتحدة. سأقضي والقارئ أياماً مع المرشح الديموقراطي للرئاسة، قبل الانتقال الى جورج بوش متوكئاً على مؤتمر الحزب الجمهوري بين 28 من هذا الشهر والثاني من الشهر المقبل. ابدأ بالحملات المتبادلة، وفي موضوع جون كيري نجد ان اليسار يهاجمه كأنه احد الصقور، واليمين يهاجمه كأنه احد الحمائم، وهو يعتبر ان حملات الجانبين عليه تؤكد مركزه الوسطي في السياستين الداخلية والخارجية. طبعاً خصومه لا يرون رأيه، وعندما كان الحاكم هوارد دين ينافسه على الترشيح عن الحزب الديموقراطي للرئاسة ذكّره بأنه عارض قرار الحرب الأولى بعد احتلال الكويت على رغم انه عدوان اكيد على دولة حليفة لأميركا، وأيد الحرب على العراق على رغم ثبوت خطأ اسبابها. سأعود الى العراق في سياق الحلقات، مكتفياً اليوم بالحملات المتبادلة لأنها افضل من دعاية كل مرشح لنفسه. الحملات على كيري تتميز بوقاحة متناهية، خصوصاً عندما يركز بعض انصار الرئيس على سجل المرشح الديموقراطي في حرب فيتنام. جورج بوش استغل نفوذ اسرته، فقضى الحرب في سلاح الجو للحرس الوطني في تكساس، وكيري الذي ينتمي الى اسرة نافذة ايضاً خدم في فيتنام على قاربين مسلحين ونال وسام القلب القرمزي ثلاث مرات، ووسام النجمة البرونزية مرة، والنجمة الفضية مرة. مع ذلك فمجموعة تسمي نفسها قدامى محاربي القارب سويفت طلباً للحقيقة هاجمت سجل كيري في الحرب. وتبين ان قدماء المحاربين هؤلاء لم يعملوا مع كيري، وأنهم من أنصار جورج بوش في تكساس، وأن بين مؤسسي المجموعة سوزان ارسنو، وهي تعمل في لجنة جمهورية يترأسها ديك ايموري، رئيس الغالبية السابق في الكونغرس، وهو من تكساس، بل ان المحامي بنجامين غينزبرغ العامل في حملة بوش، اعترف بأنه قدم النصح في إنتاج الإعلانات. ولم يجد الصحافيون الذين حققوا في اتهامات قدامى محاربي فيتنام اي دليل يثبت تلك الاتهامات التي وردت في كتاب، وفي دعايات تلفزيونية، وأيضاً مقابلات تلفزيونية لبعض الأعضاء. الرئيس بوش رد على الضجة التي أثارتها الإعلانات الكاذبة بدعوة الى وقف جميع الإعلانات التي تمول بثها جماعات مستقلة، بما فيها تلك التي تهاجم سجل الحرب لجون كيري، غير ان البيت الأبيض سارع ليشرح كلام الرئيس بعد ذلك بالقول انه دعا الى وقف جميع الإعلانات المماثلة، وليس إعلانات قدامى المحاربين فقط. كيري كان هاجم بوش بالقول انه "اكبر من قال شيئاً وعمل شيئاً آخر"، وهذا يعني انه متقلب، وهي تهمة خطيرة بالنسبة الى بوش بالذات لأنها تعني انه ليس عقائدياً ملتزماً كما يزعم عن نفسه، وإنما يسخّر مبادئه في خدمة مصلحته. وقد رد بوش على التهمة بمثلها، وبث انصاره حملة دعاية تلفزيونية كلفت 70 مليون دولار موضوعها ان كيري يخلط بين الأمور والمواقف وسياسته مطاطة لتناسب طموحاته. بكلام آخر كل منهما اتهم الآخر بالكذب وأنا أصدق الاثنين. كيري لم يخدم قضيته كثيراً عندما صرح في التاسع من آب اغسطس هذا بأنه كان سيصوّت الى جانب التفويض بالحرب حتى لو عرف انه لن يعثر على اسلحة دمار شامل في العراق، وجاء هذا التصريح بعد ان كان كيري قال في السابق انه لو كان يعرف عندما صوّت الكونغرس في تشرين الأول اكتوبر مفوضاً بالحرب ما يعرف الآن لكان موقفه اختلف. وتمسك جورج بوش بكلام كيري، وقال في نايسفيل، بولاية فلوريدا في اليوم التالي انه وجد مؤيداً جديداً للحرب على العراق هو جون كيري. وأضاف انه بعد اشهر من تشكيك المرشح الديموقراطي في دوافعه وصدقيته اصبح يقول انه حتى مع عدم وجود اسلحة دمار شامل فهو كان سيؤيد قرار الحرب. وكل ما طلع به كيري في تبرير موقفه كان انه مع الوقوف في وجه صدام حسين، إلا ان ادارة بوش تصرفت في شكل احادي خاطئ، وكان يجب ان تشرك الأممالمتحدة والحلفاء في التخطيط للحرب حتى يكون النجاح مشتركاً، بدل ان تتحمل الولاياتالمتحدة وحدها مسؤولية الفشل. عندما يكون الموضوع حملات متبادلة، فأوقح اهل الأرض هم المحافظون الجدد، ووقاحتهم تفيض بها عادة مطبوعة "ويكلي ستاندارد" الناطقة باسمهم. كنت وضعت جانباً مقالين لجوشوا مورافشيك، احد المحافظين الجدد، وتيلغنر جون يتهمان جون كيري بأنه داعية سلام، وكأن طلب السلام تهمة، فهو وقف ضد حرب فيتنام، وكان موقفه قريباً من جورج ماكغفرن خلال الحرب الباردة، وقبل يومين عدت لقراءة مطبوعة جماعة اسرائيل، ووجدت انها تكاد تنسى كل أمر آخر لتهاجم جون كيري. - ماثيو كيري كتب مقالاً بعنوان "حروب كيري" وسأل اين كان كيري في 24 كانون الأول ديسمبر 1968؟ لم يكن في كمبوديا. كيف يمكن ان يسأل مناصر لبوش هذا السؤال ومرشحه لم يخدم في الحرب، وحتى في تكساس سجل غيابه عن الخدمة وقيل بين الأسباب انه "مسلطن". - وليام كريستول زعيم ابواق الدعاية المتطرفة، كتب مقالاً بعنوان "عصبة جون كيري" خلاصته ان الرجل من صنع حركة معارضة حرب فيتنام، وهو بالتالي الأكثر "مسالمة" منذ جورج ماكغفرن، وكنت قرأت لكريستول قبل ذلك مقالاً يزعم ان كيري لا يعرف ما يريد بالنسبة الى الوجود العسكري في الخارج. - فريد بارنز كتب مقالاً بعنوان "القميص الملوث بالدم يعود"، والعبارة بمعنى "قميص عثمان" عندنا، وهو سأل القارئ: هل كنت تعرف ان جون كيري خدم في فيتنام؟ مرة اخرى، مثل هذه الكتابة يتطلب وقاحة متناهية، تتجاوز ما يسمي اليهود "شوتزبا"، فأنصار مرشح تهرب من الخدمة الفعلية يهاجمون مرشحاً خدم ونال اوسمة شجاعة. بالنسبة إلينا معشر العرب والمسلمين جون كيري ليس افضل من جورج بوش، ولكن لا بد من ان له حسنات عندما يهاجمه المحافظون الجدد بوقاحة مضاعفة. وأكمل غداً.