الثابت المؤكد أننا في دول الخليج ننجو دائما ويفشل أعداؤنا وتسقط رهاناتهم. فما الذي لا يعرفه خصوم دول الخليج وهم يكتبون عنها بثقة؟ ولماذا تتكرر أخطاؤهم حتى تبدو كأنها حالة نمطية وليست مجرد خلل عابر في فهم محلل سياسي أو كاتب مأجور! من يتابع التحليلات السياسية الصادرة من قنوات أو منصات معادية يتبين بوضوح أن لدى القوم سوء فهم كبير للحالة الخليجية. الفرق عميق بين أن تقرأ أي مجتمع من خارجه وبين أن تدرك منطقه الداخلي الذي لا يمكن أن يرى إلا من خلاله. الخطأ الأول الذي يقع فيه كثير منهم هو اختزال التجربة الخليجية في صورتين بسيطتين: «بدوية تقليدية» و«ثروة نفطية طارئة» هذا الاختزال يتجاهل حقيقة البنى المتجذرة التي تشكلت عبر قرون من التفاعل بين الشعوب والمجتمعات وكذلك بين الصحراء والقبيلة والتجارة والدين والدولة. في هذا السياق أشار المستشرق الفرنسي جاك بيرك إلى أن المجتمعات العربية ليست «بدائية» بل هي «مركبة في بساطتها» أي أن بساطة الشكل تخفي تعقيدا في العلاقات والوظائف، وهذا التعقيد نفسه هو ما يعجز عنه التحليل السطحي الذي يقدمه الخصوم اليوم. الواقع أن المجتمع الخليجي لا يترك أفراده معزولين مهما حدث من اختلاف أو مشكلات، فطبيعة هذا المجتمع تقوم أصلا على شبكة كثيفة من العلاقات الأسرية الممتدة والطبقات القبلية وقيم الجوار والتصاهر والعصبية والذاكرة المشتركة. ونحن هنا لا نتحدث عن روابط اجتماعية عادية كتلك التي يشترك فيها جميع البشر، لكننا نتحدث عن نظام حماية ذاتي يخلق تماسكا يصعب اختراقه، وقد رأى العالم كيف توحدت جبهة الخليجيين خلال الحرب وكأنما هم أهل بيت واحد. يقول ابن خلدون عن «العصبية» إنها قوة التماسك التي تمنح الجماعة القدرة على الصمود أمام التهديدات الخارجية. ومما يخطئ فيه خصومنا أنهم يظنون إن هذه العصبية قد تآكلت بينما هي أعادت تشكيل نفسها داخل الدولة الحديثة. أما على مستوى طبيعة الحكم فسوء الفهم أكبر. إذ ينظر إلى أنظمة الحكم في الخليج وكأنها «أبوية ريعية» قابلة للاهتزاز أمام الأزمات. والحقيقة أن التجربة السياسية الخليجية متصلة تاريخيا، وهي تقوم على مزيج دقيق من الشرعية التاريخية والشرعية الدينية وشرعية الإنجاز الحديث، وهو ما يجعل العلاقة بين الحاكم والشعب مفهومة وتدار بلغة مشتركة محفوظة في الوعي الجمعي، وهي أي -هذه اللغة- ما يفشل الخصوم في التقاطه. فيقرؤون القرارات وكأنها أوامر فوقية، بينما هي في الواقع استجابة ضمنية لتوقعات الشعب وإرادته. تفشل رهانات الخارج ومؤامراته دائما لأنها تتعامل مع صورة متخيلة عن الخليج وليس مع واقعه الحقيقي. ولنعد إلى ما قاله المستشرق البريطاني هاملتون غيب «إن السلطة في المجتمعات العربية لا يمكن فهمها خارج سياقها الاجتماعي و الأخلاقي» أي إنها ليست مجرد نظام حكم بل امتداد لنظام قيم يتطور ولا ينقطع. مسألة القيم، هي الأكثر غموضا لأولئك الذين ينظرون إلينا من الخارج. فالقيم العربية المتوارثة - مثل الكرامة، والوفاء، وحماية الجماعة، واحترام القيادة - ليست شعارات في أوقات الرخاء، بل هي محددات سلوك تظهر وتتجلى كلما اشتدت الأزمات. وتظهر التجارب التاريخية إن المجتمعات التي تختبر تحت الضغط تعود إلى أصولها الأولى وليس إلى تصورات الآخرين عنها. في كل الحروب التي مرت على الخليج سمعنا من يتوقع أن تتفكك مجتمعات الخليج، أو تسقط الدول أو تفلس أو تقسم، وفي كل مرة تثبت الأحداث أن هذه الخيالات إنما هي أوهام وضلالات. ويمكننا تفسير هذا الفشل عبر مفهوم «سوء الفهم الحضاري» الذي تحدث عنه الفيلسوف الألماني غادامر، حيث أشار إلى أن فهم الآخر يتطلب الاندماج في أفقه الثقافي، وليس إسقاط مفاهيمنا عليه. خصومنا إذاً يفسروننا بأدوات لا تنتمي إلينا، فينتجون تحليلات تبدو منطقية من زوايا رؤيتهم لكنها خاطئة تماما في الواقع، بمعنى أنهم يصنعون ما سماه بندكت أندرسون «الهوية المتخيلة»، فيتخيلون أننا مجتمعات مفككة هشة ويشتغلون على هذه الفكرة فيكتبون عنها وينفقون عليها! بينما الواقع أن مجتمعاتنا لديها «خيالا جمعيا» مختلفا عن ذاتها يتجدد عبر التعليم والإعلام والتربية والتجربة اليومية، ويترجم إلى سلوك عملي عند الحاجة. يمكننا أن نرى بوضوح أن الرهان على الكراهية رهان خاسر، ينتج قراءة انتقائية، تبحث عما يؤكدها وتتجاهل ما يناقضها. مجتمعات الخليج في الحقيقة لا يمكن قياسها بالموارد، بل بقدرتها الأصيلة على خلق منظومة متماسكة من المعنى والقيم والعلاقات، وبتاريخها الطويل في القيادة و إدارة التوازنات. يفشل أعداؤنا إذاً لأنهم ينظرون إلى كيان لا يفهمونه، إلى تجربة حية متجذرة تعيد التشكل والتوازن حسب متطلبات كل مرحلة بشكل مرن وشمولي وهادئ.