كان لا بد من توجيه التهمة إلى قوات الاحتلال، بشأن مجازر عاشوراء. ليس لأن الأميركان هم من اقترف ذلك الجرم مباشرة على ما يقول الآخذون بنظرية المؤامرة وهم بين ظهرانينا كثر، فذلك أمر مستبعد، ليس تنزيهاً للاحتلال عن الإتيان بمثله، بل لأن لا مصلحة له فيه، أو هكذا يبدو. بل أن توجيه التهمة إلى الأميركان وجيه من ناحية مبدئية، قانونية أولاً، ترتبط بمسؤوليتهم كقوة محتلة، يقع على عاتقها السهر على أمن الناس، وصون ذلك الأمن، جسداً وممتلكات ومعتقدات، وهو ما قصروا فيه حتى الآن على نحو جليّ وفادح. ثم أنه وجيه لأن الجرم ذاك، العيني والمحدد، رغم براءة الأميركان منه أقلّه احتمالاً، إنما ينبع من جرم آخر، أصلي وتأسيسي، مسؤولية واشنطن عليه مطلقة لا لبس فيها، هو ذلك المتمثل في فعل الاحتلال ذاته، وفي الطريقة التي توختها الولاياتالمتحدة في خوض مغامرتها العراقية، بعيداً عن كل إجماع دولي، ومن دون إبداء أدنى حفول بمستقبل البلد، استناداً إلى ذرائع ملفقة، وانطلاقاً من تصورات اتضح أنها أقرب إلى التوهم، أو إلى "الإيحاء الذاتي"، منها إلى وضع الاستراتيجيات الناجعة في "بناء الأمم". ثم أن توجيه التهمة إلى القوات الأميركية، على ما فعل في ما يشبه الإجماع قادة الطائفة الشيعية العراقية، هو أقل ما يمكن فعله لمن يريد أن يربأ بالعراق عن الوقوع في أتون حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، تمعن في تفكيكه وتبلغ بعملية التفكك والتحلل الكياني تلك نقطة اللاعودة. لذلك، فإن للقول ذاك وظيفة مزدوجة، فهو من ناحية أشبه بفعل الرقية، يحاول أن يستبعد البعد الأهلي لتلك الجريمة من خلال تعمّد إنكاره والتعامي عليه، وهو من وجه آخر، موقف سياسي ناضج ناجز في نضجه، فضّل الترفع عن تلك الفعلة، أو بالأحرى عن الاقتصاص من الطائفة التي ارتكبت تلك الفعلة باسمها، وفق اعتقاد مقترفيها وتصورهم، من أجل صون الوحدة الوطنية العراقية، أو ما تبقى منها. يبقى، على أية حال ومهما يكن من أمر، وسواء وجهت التهمة إلى الأميركان أو لم توجه، وسواء ثبتت تلك التهمة أو لم تثبت، أنّ الاحتلال الأميركي قد مُني، بسبب مجازر عاشوراء، بدحض بليغ أفقده آخر مبرراته، أو أنه بات مهدداً بذلك على نحو جدي. صحيح أن الاحتلال ذاك قد افتقر منذ البداية إلى أي مبرر من قبيل قانوني أو شرعي، ولكنه كان قد تمكن من اكتساب ضرب من مسوغ يمليه الأمر الواقع ويفرضه. فالولاياتالمتحدة، إذ احتلت العراق، لم تكتف بإسقاط نظام بل دمرت دولة، وأطلقت مسار تفكك، عُدَّ وجود قواتها هو آخر ما يحول دون استفحاله وتفاقمه، حتى تخوف الكثيرون من حصول انسحاب أميركي مبكّر، يشرع أبواب جحيم الاقتتال الأهلي في العراق، فيمتد لهيبه إلى المنطقة بأسرها. غير أن مجازر عاشوراء الأخيرة، تُبطل حتى هذا المبرر، أو تكشف عن مدى هشاشته، إذ توحي بأن نزاعاً من ذلك القبيل يمكنه أن ينشب في أي لحظة، من دون أن يكون لوجود القوات الأميركية أي فعل في الحؤول دونه، ناهيك عن أن يكون له أي مفعول رادع. والأمر ذاك جليّ في أية حال، فإذا ما تمكن العراق من تجنب الحرب الأهلية، كنتيجة لجريمة بحجم تلك التي اقتُرفت يوم عاشوراء، فإن الفضل في ذلك لا يعود إلى القوة المحتلة، بل إلى الطائفة الشيعية التي اختارت، رغم فداحة ما أصابها في أبنائها وفي مقدساتها، أمكنة ولحظة زمنية، توجيه التهمة إلى الأميركان والامتناع عن كل رد يتمثل في الاقتصاص من طائفة عراقية أخرى، وأخذها بجريرة إرهابيين يُحسبون عليها أو حسبوا أنفسهم عليها. والحقيقة أن رد الفعل الشيعي ذاك كان لافتاً إلى أبعد الحدود، إذ هو يفيد بأن الطائفة تلك ربما كانت بصدد التحول من مجرد أغلبية بالمعنى العددي، إلى غالبية بالمعنى السياسي، أي بمعنى استشعار المسؤولية على نحو يتخطى المجموعة إلى الكيان برمته، وبمعنى النظر إلى مصلحة الطائفة وقياسها بمقياس المصلحة الأشمل وبمعيارها. وبديهي أن وعياً مثل ذاك، إن تأكد وترسخ، من شأنه أن يمنح الطائفة الشيعية موقعا محوريا في إعادة بناء العراق سياسياً، أي موقعاً لا يتوقف عند الاستناد إلى الأرجحية العددية، بل يستند، وهو الأهم، إلى رؤية تتعلق بالكيانية العراقية المنشودة، بما هي تلك الرؤية قدرة على طمأنة سائر المكونات الأخرى. ومعلوم أن الغالبيات العددية، خصوصاً في ظروف الاحتقان الطائفي، الإثني أو المذهبي، لا تؤسس أنصبة ولا تجترح أوضاعا قابلة للحياة وللبقاء، إن لم يواكبها رشد سياسي، أي استعداد للتماهي مع الكيان الأوسع، حتى مع التضحية ببعض مصلحة خاصة، أو ببعض نزوع ثأري. لا شك في أن الطائفة الشيعية العراقية قد منيت بإصابة موجعة ومأسوية يوم عاشوراء الماضي، لكن ما لا شك فيه أيضاً أن طريقتها في رد الفعل على تلك النكبة ربما مكنتها من انتصار سياسي لا يُستهان به، أي من اكتساب أرجحية سياسية لا لبس فيها، خصوصاً إن هي أفلحت في تحويل انتصارها ذاك إلى مقاربة متكاملة، تخص إعادة اجتراح المعمار السياسي العراقي، وبناء نصابه الجديد. صحيح أنه لا يزال دون ذلك الكثير، أوله النجاح في التحول من مجرد ضبط النفس، والترفع عن الانزلاق في منطق الحرب الأهلية، خصوصاً إن وجدتْ هذه الأخيرة مسوغاً بفداحة ما حدث أثناء احتفالات عاشواء، إلى امتلاك سياسة متكاملة تسير في ذلك الاتجاه، لكن البداية تبدو واعدة، وإن إلى حد وإن بمقدار. يبقى، حتى لو توفر كل ذلك، أن لا بد من بيئة إقليمية ودولية ملائمة، وذلك ما تحوم حوله علامات استفهام كثيرة. ولكن ما لا شك فيه، على رغم كل ذلك، أن ما أبدته الطائفة الشيعية من امتناع عن الانزلاق في أتون الاقتتال الأهلي، إثر مصابها الأخير، هو بعض أفضل ما حصل للعراق منذ أمد طويل.