اذا ما صحّ ضلوع الحكم العراقي في عملية اغتيال المرجع الشيعي آية الله محمد الصدر، وهو ما يبدو مؤكداً بالرغم من اصرار سلطات بغداد على الانكار وإمعانها في حرف التهمة نحو اطراف اخرى آخرها، بحسب اعلامها الرسمي، الولاياتالمتحدة الاميركية فإن في الأمر ذاك ما من شأنه ان يبعث على الحيرة وأن يثير الاستغراب، ليس فقط لدواع اخلاقية، فتلك مما لا يحفل به النظام العراقي ولا يعيره اهتماماً، بما يجعل من النافل مساءلته باسمها، بل لأن الفعلة تلك تبدو منافية لكل منطق او جدوى سياسيين. اذ ما الذي يمكنه ان يبرر مخاطرة كتلك التي أقدم عليها حكم بغداد، لدى ايعازه، المحتمل بقوة تكاد ان تبلغ اليقين، على اغتيال شخصية دينية بحجم وبموقع آية الله الصدر، في ظرف محلي وإقليمي ودولي كذلك الذي نعلم؟ فجريمة كتلك الآنفة الذكر، كان يمكنها ان تستثير الطائفة الشيعية، وهي الأكبر من حيث العدد، وأن تدفع بها الى تمرد كان يمكنه ان يكون واسع المدى، بالغ التفاعل والتداعيات، بحيث كان يمكنه ان يرتد على النظام البعثي بالوبال، خصوصاً في المناطق الجنوبية من البلاد، تلك التي يبدو ان سيطرته عليها اصبحت على قدر من الهشاشة كبير. ناهيك عن ان مثل ذلك كان يمكنه ان يفضي الى فتنة طائفية قد تؤدي الى تقويض الوحدة الوطنية العراقية، تلك المهتزة اصلاً، والى فتح الباب على مصراعيه امام احتمالات التدخل الخارجي، من الجوار القريب او البعيد، اقله لأنه ليس بين القوى المؤثرة، على صعيد المنطقة والعالم، من يمكنه ان يتسامح مع استشراء فوضى فالتة من كل عقال، وعصية عن كل تحكم، في تلك الحلقة المفصلية العراقية، من تلك المنطقة الحساسة والمتفجرة، في امتداداتها الشرق اوسطية والآسيوية الوسطى. لكل ذلك، يبدو اقدام السلطات العراقية على اغتيال آية الله محمد الصدر، فعلاً لا يجد ما يسوغه حتى في اكثر الاعتبارات سينيكية، وحتى وفق اكثر الحسابات برودة، وحفولاً بالغابية وحدها، دون الوسيلة، او مهما كانت الوسيلة، خصوصاً وان المرجع الشيعي المغدور، وإن أبدى بعض الضيق والتبرم بالسلطة في بعض خطبه، الا انه من المرجح بأنه لم يتحول الى موقع الاعتراض السافر عليها، ولا اعلن عداءه الصريح لها او انطلق في السعي الى اسقاطها. وهكذا، فانه ينتاب المراقبين، ممن يحارون في تفسير ذلك السلوك، شعور بأن الجريمة تلك ربما عادت الى غريزة العنف والقتل، تلك التي تمثل السمة الفارقة للنظام القائم في العراق، والتي تعبر عن نفسها، في احيان كثيرة، بمعزل عن كل غائية، وعن كل منطق، بما في ذلك المنطق الاستبدادي القمعي، حتى وإن بلغ بها الأمر الى اتخاذ منحى اقرب الى الانتحارية. غير ان تفحص النظام العراقي، ونجاحه في تحقيق البقاء، وتمكنه من الثبات، خلال العقد الاخير، او ما يقاربه، بالرغم من الهزيمة التي مني بها في حرب الخليج الثانية، وبالرغم من الدمار الذي لحق بامكاناته العسكرية، وبالرغم من العزلة والحصار المضروبين عليه، وبالرغم من الانتفاضات والتحركات التمردية التي واجهته في جنوب البلاد وفي شمالها، وتمكن حتى الآن من تذليلها، ربما دعانا الى ادخال قدر من النسبية في الحكم على ذلك السلوك، والى الاقرار بأنه يخضع في نهاية الامر الى منطق ما، بل انه قد لا يخلو من فاعلية من حيث النتائج، وذلك بقطع النظر عما يثيره من مشاعر الاستفظاع والاشمئزاز والاستنكار. وانطلاقاً من كل ذلك، يمكننا ان نفترض ان النظام العراقي، قد أقدم، لدى ارتكابه جريمة اغتيال آية الله الصدر، على مخاطرة واعية ومحسوبة، بما قد يتعدى كل شيء الى غريزة العنف والقتل. فإذا كان من الصحيح انه غامر في ذلك بنشوب تمرد يشمل مناطق الشيعة، وربما يتعداها الى سواها، وبأن مثل ذلك التحرك الاحتجاجي التمردي قد جد فعلاً في اعقاب الاعلان عن مقتل المرجع الشيعي، وأشيع بأنه امتد الى بعض المناطق السنية، الا ان ما هو صحيح كذلك ان السلطات العراقية استعادت السيطرة على زمام الأمور، دون ان يكلفها ذلك الكثير، خصوصاً على المستوى السياسي. ولكن ما الذي يمكنه ان يكون قد دفع بالنظام العراقي الى ذلك الضرب من المخاطرة؟ ربما كان من بين دوافعه في ذلك اختبار مدى فاعلية "قانون تحرير العراق"، ذلك الذي اقره الكونغرس الاميركي، ويفترض في ادارة واشنطن انها بصدد العمل على وضعه في حيز التنفيذ، من خلال دعم المعارضة العراقية والسعي الى جمع شملها والتوفيق بين مشاربها ومجموعاتها المتنوعة والمتنافرة، قصد تحويلها الى بديل ذي مصداقية لنظام صدام حسين، على ما يقول مسؤولوها وإعلامها. وإذا كانت سلطات بغداد قد أرادت ان تختبر مدى جدية الولاياتالمتحدة في مواجهتها، في ذلك الشأن اداخلي، اي غير المتعلق بمسألة نزع اسلحة الدمار الشامل، فلا شك في ان صدام حسين، من خلال الاقدام على اغتيال آية الله الصدر ومن خلال تمكنه من سحق الانتفاضة التي يبدو انها اعقبت ذلك الجرم، قد توصل الى استنتاج اساسي في هذا الصدد، هو ذلك الذي مفاده ان بامكانه ان يطمئن الى الاستمرار في قمع مظاهر التمرد عليه، على ما سبق لقواته ان فعلت في الجنوب في اعقاب حرب الخليج، او بعد ذلك عندما تدخلت في النزاع بين الحزبين الكرديين في الشمال، دون ان يردعه رادع، وانه لا تغيير للسلوك الاميركي في هذا الشأن، بالرغم مما تردده واشنطن من انها قد بلغت مرحلة الفعل والسعي الجادين في العمل على اسقاط النظام العراقي. فهذا الاخير لا شك في انه لاحظ ان الطائرات والصواريخ الاميركية لم تتحرك من اجل إرباك او عرقلة قواته لدى قمعها الانتفاضة الاخيرة، على ما كان البعض يتوقع، بعدما اصبحت واشنطن تتصرف وكأنها باتت في حل من الالتزام بقرارات مجلس الأمن، تلك التي لا تفوضها التدخل في الشؤون العراقية. غير ذلك، على اهميته، قد لا يكون الوازع الوحيد لدى سلطات بغداد في اقدامها على اغتيال آية الله الصدر. بل هي، بذلك، قد أتت فعلاً هو من صلب كنهها وطبيعتها كنظام توتاليتاري. فمن الميزات الأساسية لذلك الضرب من الانظمة، على خلاف سواها من الاشكال الاستبدادية الاخرى، انها لا تكتفي بقمع المعارضة، بل تجعلها امراً مستحيلاً من خلال استباق كل احتمالاتها والقضاء عليها قبل ان تبرز وتتشكل. ولعل في تجربة انظمة المعسكر الاشتراكي السابق ما من شأنه ان يقدم على ذلك افضل الامثلة وأوضحها. فعندما آلت تلك الانظمة الى السقوط لم يتحقق ذلك بفعل معارضة، لم يقيض لها اصلاً ان توجد، ناهيك عن ان تُقمع ما عدا المنشقين الأفراد، بل جراء انفجار داخلي ناتج عن عدم القدرة على الاستمرار، بحيث كان رجال العهد الشيوعي، هم انفسهم من تولى مقاليد امور الانتقال الى "الديموقراطية" و"اقتصاد السوق". ونزولاً عند تلك الطبيعة التوتاليتارية نفسها، اقدم النظام العراقي على اغتيال المرجع الشيعي، ما زج بأبناء المنطقة الشيعية في انتفاضة لم تتهيأ ظروفها، فقضى بذلك على احتمال معارضة، قبل ان تنمو وتتفاقم، وليس على معارضة قائمة الذات. ولعل ذلك ما يفسر ما يبديه النظام العراقي من قدرة فائقة على البقاء. فالأنظمة التي على شاكلته، لا تسقط الا اذا ما جاءت قوة من الخارج، تجتثها اجتثاثاً، او الا اذا ما دمرها انفجار من داخلها. وتلك غاية لا يعتقد بأن المعارضة العراقية في وضعها الراهن، ولا سياسة الحظر المتبعة حالياً والتي عادت على العراقيين بدمار جعلها احدى اكبر الفضائح والجرائم الاخلاقية لهذا القرن، بقادرين على بلوغها.