عالم بالأبيض والأسود، مفعم بالحنين، هو ذاك الذي يتراءى لنا للوهلة الأولى، حين نستمع إلى موسيقى توفيق فرّوخ، منذ أسطوانته الأولى"علي في برودواي"1994، ثم بعدها بسنوات"أسرار صغيرة"1998، وأخيراً"درابزين"2002... عالم فروخ كأنّه خارج من صناديق الجدّات، وألبومات العائلة... ليواجه زمن ال"ورلد ميوزيك"المعولم، ويحفر فيه مكاناً خاصاً، هو بين الجاز وروح الشرق. لكن تسمية"الجاز الشرقي"التي تطلق على أعمال فرّوخ عادة، غير قادرة على اختصار تجربة تتجاور فيها الأساليب والمناهل الفنية، ومصادر الوحي على تباعدها واختلافها. إنّها تجربة تنهل من المخزون الفولكلوري، وتنتمي الى زمنها، وتتسع ل"أبو الزلف"بقدر ما تخوض غمار الموسيقى الالكترونية. وقد يغامر بعضهم في استعمال مصطلح ال"فيوجن"الذي يبقى، بدوره، عند اعتاب تجربة غنية، غير قابلة للتصنيف، تجمع بين ال"بلوز"وال"بي بوب"وال"سوينغ"، والموشحات العربية أحياناً، والمقامات الشرقية، وصولاً الى ال"درام إند بايس"ومناخات السالسا... هكذا نكتشف أن الصورة الأولى بالأبيض والأسود التي نكوّنها لدى التماس مع موسيقى فرّوخ، تتحوّل تدريجاً إلى"سيبيا"، ثم تكتسي ملامح اللحظة الراهنة، بصخبها وتعدد اتجاهاتها وروافدها، قبل أن تستعيد أخيراً ألوانها الطبيعيّة. يكفي كي نلمس عمق التواشج بين أمكنة عدّة، وأزمنة عدّة، وجهات مختلفة في موسيقى توفيق فرّوخ، أن نستمع مثلاً، في أسطوانته الأخيرة"درابزين"، إلى مقطوعة مثل"ليلة في دمشق"حيث يتجاور العود والناي، مع الفيولا والأكورديون، ومع الترومبون والساكسوفون سوبرانو... أو نسترسل مع"كاف سكون"في الاسطوانة نفسها، وهي مهداة الى صديقه وزميله الراحل جوزيف صقر، فنطلق لجسدنا العنان، ونتركه يتحرّك على نقرات الرق والبندير، إذ يتقاطعان مع الايقاعات الالكترونية والغيتار الكهربائي. موسيقى توفيق فروخ حافلة بالأنغام والأصوات والايقاعات والميلوديات، عالم صاخب على رغم هدوئه. وعازف الساكسوفون والموسيقي اللبناني الذي شارك في بعض التجارب التأسيسيّة في بيروت، قبل أن ينتقل للإقامة في باريس حيث أسس فرقة"أبسوليوت أوركسترا"، يحمل في روحه بعضاً من ندوب الحرب الأهليّة - وجعاً لا يسمّى ولا يمكن التعبير عنه إلا بالموسيقى، وربّما تحديداً عبر آلة الساكسوفون. ولعلّ فرّوخ شخصية هاربة من قصيدة لجاك بريفير، كما في مقطوعته"الرجل الذي فقد ظلّه"درابزين، في سعيه الدائم للعودة الى المدينة التي خرج منها... الى الحياة التي خرج منها. الفنّان الذي فقد جمهوريته الفاضلة، يحاول أن يستردها بالموسيقى... لذا تنضح مؤلفاته بمزيج من الحنين والنشوة المطعّمة بالحزن. الحنين إلى زمن مفقود، إلى وطن ضائع ربّما. ألم يروِ لجمهوره في بيت الدين، صيف 2003، وهو يقدّم مقطوعته"علي في بلاد العجائب"علي في برودواي، حكاية"علي الذي وعدوه بوطن وانتظر أربعين عاماً من دون جدوى... فقرر بناء هذا الوطن في رأسه". فرّوخ، قبل كلّ شيء، فنّان مطمئن. تتعايش الروافد في مقطوعاته، تتلاطم رؤاه الابداعيّة، تتقاطع في مسيرته الفنيّة مجالات التعبير سينما، مسرح، رقص.... لكنّ جملته النغميّة قائمة على تجانس متين، بسيط وعفوي وأصيل. إنّه موسيقي جاز بامتياز، وسؤال الهويّة يتلاشى كلما تقدّم في مشروعه، بعيداً من موضة ال"ورلد ميوزيك"موسيقى العالم التي تتحكّم بسوق الأسطوانات. ديتريش في رأس بيروت هكذا بدأ فرّوخ منذ باكورته"علي أون برودواي"التي سلّطت الضوء على مزاج موسيقي خاص، يغرف من روح الشرق، وينضح بروحانيّة ال"نيو إيج"، ولا يخشى من الخفّة والمرح. لا يقدّم تنازلات"تسويقيّة"، أو ينزلق إلى"شرقيّة"فولكلورية. فبين نقيضي العالميّة والمحليّة يشقّ طريقه بصمت وأناة. يغرف مصادر وحيه من العصر الذهبي لموسيقى الجاز، ومن موسيقى أميركا اللاتينيّة أحياناً، لكنّ الطرب ليس بعيداً، والنبرة الشرقيّة تخيّم بجلال على المشهد العام. وقد كتب عنه أحد النقّاد الغربيين. إنّه الفنان الذي"نقل مارلين ديتريش إلى رأس بيروت"اشارة الى مقطوعة"ليلي غير عابئة"بصوت ياسمين حمدان في"درابزين"المستوحاة من"ليلي مارلين". مقطوعاته نثار من ذاكرة حميمة، ومن ألبوم جماعي لشعب، لمرحلة، لمدينة تسكنه أينما ذهب:"البرتقالة الخضراء"،"رقصة لأبي"،"علي بطله الأثير نفسه! في بلاد العجائب"،"فيروز بلوز"... موسيقى فرّوخ مطعّمة بالمرح والحزن في آن واحد، والنزعة"التصويريّة"من صلب تكوينها. فهو يلحّن كمن يروي، يشاركنا"أسراره الصغيرة". لا يبالغ، ولا يحمّل الجمل أكثر من طاقاتها، ولا يبحث عن"غرابة"مفتعلة. وأعماله بهذا المعنى أصيلة ومدهشة، ممتعة وغنيّة بالتلاوين. بعد انطلاقة ناجحة في بيروت، وسنوات الدراسة والتكريس في أوروبا، لاقى فرّوخ أخيراً الاعتراف في بلاده، حيث تمّ تناسيه طويلاً، حتّى بات أكثر شهرة في فرنسا منه في لبنان. وهو يعود اليوم الى مدينته، ليحيي أمسيتين في مسرح الجامعة اليسوعيّة 16 و17 الجاري، بدعوة من جمعيّة"عُرب"، ماضياً في تطوير علاقته بموسيقى الجاز، ومراجعة القوالب الشرقيّة والموسيقى الشعبيّة أينما كانت... غير مقتصد في استعمال الآلات المكهربة وايقاعات ال"هيب هوب"وال"فانك"الراقصة. حين أصدر فروخ أولى أسطواناته"علي في برودواي"، كان اللقاء الموسيقي بين الغرب والشرق ظاهرة غير مألوفة. أما اليوم فبات"حوار الشرق والغرب"على الموضة وجزءاً من المشهد السائد، تعمل السوق على تدجينه وتسطيحه واستهلاكه. لكن المشروع ما زال في بداياته. وما زال علي يواجه التحدّي نفسه، ويواصل رحلته في بلاد العجائب، جامعاً بين عالمين متباعدين، وثقافتين مختلفتين، فإذا بالمتخيّل يتصادم مع التجربة المعاشة حيناً، ويتشابك بها أحياناً... يتجاوز علي الخانات الجاهزة في رحلة ساحرة وجهتها غير محددة سلفاً. تلك هي مسيرة توفيق فرّوخ التي يسميها النقاد اختزالاً"الجاز الشرقي". هل قلت الشرق؟ أين هو الشرق؟