عندما عزف الموسيقي اللبناني توفيق فروخ الجاز كان يعرف تمام المعرفة عذوبة هذا الفن وقدرته على التعبير، خصوصاً ان الموسيقى لديه نوع من الاحتفال، وصلة وصل متينة بالذاكرة، ووسيلة تمكنه من استرجاع لحظات عاشها وفرصة للتعبير عن اختلاجات وأحاسيس معينة. وتوفيق فروخ الذي حلّق كثيراً في الفضاء الأوروبي، حل ضيفاً على أبرز مهرجانات لبنان، فشكلت زيارته لبيت الدين التي طال انتظارها فرصة يُعرّف فيها الجمهور اللبناني الى موسيقاه، ومحطة أولى تفتح الطريق أمام سلسلة لقاءات في لبنان ودول العالم العربي. حفلة فروخ في بيت الدين كانت متميزة، الجمهور تفاعل في شكل حميم واستمع بقلبه وليس بعقله، فأثلج صدر العازف اللبناني بقدرته على الاستماع والحب... وطالما حلم فروخ بتقديم أعماله في وطنه فجاء أداؤه فريداً مازجاً بين ذروة العطاء في العزف والشفافية في التعامل مع الجمهور والطرافة في التواصل معه. أداء فروخ في بيت الدين كان متميزاً لأن سحر المكان وروعة القصر أعطياه دفعاً قوياً فأدهش الجمهور الذي طغى عليه عنصر الشباب بألحانه وجمله وانصهار الآلات في موسيقاه، فنقله إلى مكان آخر يجمع مختلف الألوان والأشكال والذكريات والأحاسيس العميقة... ولا يعتبر فروخ غيابه عن لبنان تقصيراً من الجهات المعنية، فالمشاركة في هذا البلد الصغير محدودة تقتصر على المهرجانات الضخمة والنوادي الليلية. ولأن فروخ يرفض العزف في النوادي نظراً الى عدم قدرتها على استيعاب عدد العازفين معه، جاءت المشاركة في مهرجان بيت الدين في الوقت المناسب. مأخذ فروخ الوحيد كان على وسائل الاعلام، إذ ان حضورها في المهرجان كان خجولاً، وتركيزها على نوع موسيقي واحد أسهم في ترويج الموسيقى الاستهلاكية على حساب الأعمال ذات النوعية الجيدة وجعل الجمهور يبتعد عنها أكثر فأكثر. زياد الرحباني وباريس أهدى فروخ حفلة بيت الدين لزياد الرحباني. ولم يكن ذلك الإهداء وليد مصادفة، فعلاقة فروخ بالرحباني تعود لسنين طويلة عمل فيها عازف الساكسفون مع الرحباني تمثيلاً وعزفاً. أهدى فروخ الحفلة إلى الرحباني لأنه تذكره في تلك اللحظة وترك الأمور تسير على سجيتها وقال فقط ما أحس به. ويرفض فروخ تهمة تقليده لأداء زياد الرحباني أو اعتماده على الطرافة التي تذكر بطرافة زياد، غير انه يعترف بوجود نقاط مشتركة بين أداء الصديقين مؤكداً ان لكل منهما تياره الخاص الذي يبحث عنه ويعمل ضمن أطره. ويعترف فروخ بفضل باريس، المدينة المفتوحة على فنون العالم وثقافاته، في بلورة شخصيته الاجتماعية والفنية إلاّ ان للبنان فضلاً أساسياً عليه، ففيه تكونت شخصيته وحفرت الذاكرة في قلبه وعقلة علامة لا تمحى. ويرفض فروخ اعتبار السفر والنجاح الخارجي بطاقة ضمان ليحظى الفنان بالدعم والنجاح الداخلي. فالسفر ليس شرطاً مضموناً للنجاح، إنما مسألة نسبية تتعلق بمشروع الفنان وبحثه عن التواصل مع الثقافات الأخرى. بين الاستمرارية والتجريب وانطلاقاً من مفهومه للموسيقى، يرى فروخ انه من غير الممكن لمن يرى في الموسيقى احتفالاً وترجمة للأحاسيس والمشاعر، ان يستعمل الموسيقى الإلكترونية أو تلك التراثية من أجل مواكبة موجة استهلاكية معينة. يلجأ فروخ إلى هذه الموسيقى كعنصر يساعد في إنعاش ذاكرته وبلورة أحاسيسه من ناحية، ويخدم فكرته الموسيقية ويقدمها في قالب فني جميل من ناحية ثانية. ما جاء به فروخ في "درابزين" لم يكن إعادة توزيع لأغان سابقة بل تقليب لصفحات ذاكرته، يسترجع فيه حالات عاشها ولحظات أمضاها مع شخص معين. ف"أم الزلف" أو "ليلي مارلين" لم تكونا حاضرتين في الألبوم إلاّ لأن لجوزيف صقر المهداة له الاسطوانة وتوفيق فروخ ذكريات فيها معاً. و"ليلة دمشقية" لم تكن سوى ترجمة لأحاسيس فروخ حينما زار دمشق للمرة الأولى ورأى صقر يغني بإرهاف وشفافية لافتين. وفروخ كلاسيكي في التجريب، إذ ينطلق من قاعدة ذهبية ترتكز الى معرفته بما لا يريد تقديمه واعطائه الموسيقيين العاملين معه: الحرية والثقة في العزف. ويهرب فروخ إلى التجريب والاختبار في الفترة التي تفصل بين تقديمه اسطوانتين، فيشكل التجريب حافزاً للكتابة ومنفذاً لآفاق جديدة ومفراً من الانطباع بمنهجية معينة خوفاً من الابتعاد على الانفتاح. ذلك الانفتاح الذي يجعله يعمل مع موسيقيين جدد ويدخل إلى تجارب جديدة يفاجئ فيها نفسه وجمهوره معاً. وعلى رغم تاريخه الفني الطويل، يعتبر فروخ انه من المبكر التحدث عن موعد الحصاد في وقت لم ينته بعد من زرع بذار موسيقاه ولم يعتن بها كفاية. وتكمن ثماره المرجوة في "الاستمرارية" النابعة من قدرته على صناعة جمهور يحب موسيقاه وينتظر أعماله ويتلهف لحضور حفلاته مع حرصه على عدم الوقوع في الاستهلاك والانجراف في دوامة الفن التجاري. ويرى فروخ ان من أخطاء زياد الرحباني تسمية هذا الفن جاز شرقي إذ ليس هناك من جاز شرقي بل جاز آتٍ من الشرق. ولا يمكن تصنيف اللقاءات الاستهلاكية التي تجمع بين آلة غربية وأخرى عربية في الجاز الشرقي، فهذه الأشكال تظهر وتختفي من دون الاستمرار. أما بالنسبة الى موسيقاه المتأثرة بتعدد الثقافات فهي مختلفة تماماً إذ تعتمد في شكل أساس على الكتابة الموسيقية وتتجلى بتركيبة مترابطة ومتناسقة. وتهدف من الخليط الموسيقي للكلمات المستعملة كآلات موسيقية والكمنجة والعود والناي والساكسفون والغيتار الكهربائي ... إلى إيجاد موسيقى جديدة تتطلب جهداً متواصلاً وعمل أجيال متتالية قبل ان تحظى باسم تحليلي لها. ولا يهدف توفيق فروخ بتاتاً الى الانطلاق من الموسيقى الفولكلورية او التراثية أو حتى الإلكترونية بغية تطويرها. إذ ان بحثه يرتبط ارتباطاً جذرياً بالموسيقى العربية ويسعى إلى تنفيذها من خلال تجربته وثقافته الأوروبية. كما ان خروجه عن الكليشهات في ما يطلق عليه "جاز شرقي"، لم يأتِ وليد مصادفة، فموسيقى الفنان اللبناني مرآة لشخصية تحب ان تطل من مكان غير منتظر وتقدم شيئاً غير مألوف. يطل فروخ على جمهوره العريض في اسطوانة جديدة "علي اون بروداوي ذي اوزر ميكس" يصدرها في أوائل أيلول سبتمبر المقبل يقدم فيها دمجاً جديداً لاسطوانة "علي اون برودواي"، وقدم اسطوانة جديدة يجمع فيها رباعي الوتريات والموسيقى الإلكترونية بقالب مختلف. ويطل فروخ أيضاً على جمهوره اللبناني خلال حفلات يقيمها في عدد من المناطق اللبنانية في شهر كانون الأول ديسمبر يروي فيها ظمأ المتعطّشين إلى جنون التقسيم والارتجال والتجريب...