تحتفل الاوساط الادبية في مصر بشخصية مدهشة لفنان متعدد المواهب هو الشاعر الفيلسوف ورسام الكاريكاتور صلاح جاهين. وبدأ حياته بكتابة الشعر العمودي وكان امرؤ القيس والمتنبي هما مدرسته الاولى التي تعلم فيها الشعر... وكانت معظم اشعاره وطنية.. وكان له رأي في الحب وفي كتابة الشعر الغزلي. وربما كان الغليان الثوري الذي بلغ ذروته في اوائل الخمسينات من القرن الماضي هو الذي صرف شعره عن قضايا الحب الى قضايا الأمة. ثم وقعت لصلاح جاهين نقطة تحول في حياته. قرأ - في إحدى المجلات السياسية - قصيدة بالعامية بتوقيع فؤاد حداد.. كانت بداية القصيدة تقول: "في سجن مبني من حجر / في سجن مبني من قلوب السجانين / قضبان تمنع عنك النور والشجر / زي العبيد مترصصين". لم يكد صلاح جاهين يقرأ هذه القصيدة المتجهمة الغاضبة حتى أحس انه قد عثر على نفسه... وبحث عن كاتب القصيدة فؤاد حداد حتى عثر عليه وتعرف اليه وصارا صديقين. يقول صلاح جاهين: قضيت مع فؤاد حداد زمناً لا اذكر طوله بالتحديد ولكنه كان كافياً لأن تتكون داخلي نواة ما يسمى بشعر العامية المصرية.. كان جاهين رساماً كاريكاتوريا يعمل في "روز اليوسف" و"صباح الخير" وكانت رسومه متميزة الى الحد الذي جاء عليه وقت صار فيه هو الرسام الاول في مصر. كانت خطوطه في الرسم قوية وواضحة، وكانت كلماته لاذعة وساخرة، احياناً تثير الضحك العالي واحياناً تثير الابتسام. ومع موهبته كرسام كان صلاح موهوباً ككاتب، كان شاعراً غنائياً وكاتباً مسرحياً ل "مسرح العرائس"، وكانت له كتابات يسميها "صورة مصرية"، وكانت هذه الكتابات تعبر - على المستوى الفني - عن الموالد وما يجرى فيها تعبيراً لم يسبقه اليه أحد. ايضاً كان الرجل فيلسوفاً، وتتبدى هذه الفلسفة بأوضح ما يكون في رباعياته. يرى صلاح جاهين ان الانسان دخل في الحياة مرغماً وبالتالي فكيف يُطلب منه ان يختار طريقه في الحياة... يقول في إحدى رباعياته: "عجبي عليك... عجبي عليك يا زمن / يا ابو البدع.. يا مبكي عيني دما / ازاي انا اختار لروحي طريق / وأنا اللي داخل في الحياة مرغما... عجبي". ويعود الشاعر للفكرة نفسها ولكن بصورة اخرى فيقول: "مرغم عليك يا صبح.. مغصوب يا ليل / لا دخلتها برجليّ.. ولا كان لي ميل / شايليني شيل دخلت أنا في الحياة / وبكره حخرج منها شايليني شيل... عجبي". وينظر الشاعر في الملكوت فيزداد حيرة... يقول: "نظرت في الملكوت كتير وانشغلت / وبكل كلمة ليه وعشان ايه سألت / أسأل سؤالْ الرد يرجع سؤالْ / واخرج وحيرتي أشد مما دخلت... عجبي". ويصل صلاح جاهين الى حل مشكلة الفيلسوف مع عصره... يقول في احدى رباعياته: "الفيلسوف قاعد يفكر سيبوه / لا تعملوه سلطان ولا تصلبوه / ما تعرفوش ان الفلاسفة يا هوه / اللي يقولوه بيرجعوا يكدبوه... عجبي!".