السيارة تقترب بنا متجهة الى بلدة الكلك في شمال العراق، الواقعة تماما في منتصف الطريق بين الموصل واربيل. سهول العراق الفسيحة والخضراء تسرع في الاتجاه المعاكس لسيرنا، على وقع صوت المذيع في الاذاعة العراقية، يردد بصوته العريض أبيات الشعر التي قالها الرئيس العراقي صدام حسين صباح أمس وبعد الغارات الليلية على بغداد. انها طريق دولية، والمطبات قليلة قياساً الى طرق كردستان الأخرى، ومرة أخرى يسقط المطر بطريقة مختلفة عن الطريقة التي يسقط فيها في المناطق الأخرى. المطر يهطل محملاً بالهواء، لا على شكل قطرات واضحة. ومع اقترابنا من البلدة يلوح طريقان: واحد يؤدي الى البلدة وآخر مواز له يؤدي الى الجسر الذي يقع عليه آخر حاجز للبيشمركة. وفي آخر الجسر أقفل الجيش العراقي أول من أمس الطريق عبر ساتر ترابي. جنود البيشمركة وكعادتهم، ضعاف أمام العدسات ويمكن بسهولة اقناعهم بتحويل دشمتهم الى ملاذ للكاميرات. لا بل ان اعتدتهم صارت بسرعة في متناولنا. المواقع العراقية القريبة جداً شرعنا برصدها بمنظار عناصر البيشمركة المتآكل. كان الجنود العراقيون واقفين فوق السواتر الترابية، ويتنقلون بين الدشم وكأن الحرب لم تبدأ بعد. ثمة ألفة بين المواقع المتقابلة. عناصر البيشمركة ليسوا بوضع دفاعي أبداً. وهم أصلاً لم يقوموا بأي تحصينات توحي بأنهم في مواجهة مواقع جيش خصم. الساتر الترابي الذي قطع الجنود به الطريق مساء اول من امس هو مظهر التوتر الوحيد. فحتى كاميرات التصوير التي وجهها المصورون الى هذه المواقع، لم تثر في الجنود على الجبهة الاخرى أي مخاوف، لا بل ان واحداً منهم راح يؤشر بيده من بعيد وكأنه يلقي التحية. الصحافيون واقفون على جبهة قيد الاشتعال بحسب ما يعتقدون، ولكن الحال هذه لم تشبع لديهم حاجة كاميراتهم الى صور الحرب التي بدأت تصل من الكويت. "انهم جنود من الجيش العراقي، وليسوا قطعات من الحرس الجمهوري"، هذا ما راح البيشمركي يقوله مبرراً لهجة المودة حيالهم وأضاف "هم لا يطلقون النار في اتجاهنا الا نادراً" ويبدو واضحاً ان عناصر البيشمركة هؤلاء أكثر تدريباً من العناصر التي نصادفها في مناطق الاقليم الأخرى "لا بد انهم من وحدات خاصة" قال المصور حين شاهد واحداً منهم يتسلق جداراً عالياً. النهر الذي يرتفع الجسر فوقه في بلدة الكلك كبير ومهشم الضفاف، ومياهه في هذا اليوم الممطر وحلية، وتتفرع منه جداول الى الحقول، وترفده جداول أخرى. الجسر حديدي وصدئ. انه من ذلك النوع الذي تبنيه الجيوش خلال عبورها السريع من منطقة الى أخرى. لندخل الى البلدة علينا العودة، ثم سلوك الطريق الموازي في اتجاه الجسر نفسه. البلدة خالية تماماً من السكان. لقد نزحوا بالأمس هذا ما قاله شاب بقي فيها مع قليلين. الصحافيون حولوا البلدة الى ما يشبه "برس لاند". لقد جاؤوا بالأمس من اربيل ناقلين معهم معداتهم الثقيلة وصحونهم اللاقطة والمرسلة، واستأجروا منازل في البلدة، وأسكنوا معهم سائقيهم ومرشديهم الاكراد. سيارات فاخرة استقدمتها وكالات الإعلام العالمية، وهي الآن متوقفة قرب منازل الكلك البائسة، ومطلية بالوحول. الاعلاميون في البلدة يعبثون في شوارعها الفارغة ويعبرون الطرق لوحدهم، واحياناً بصحبة رجل كردي قرر البقاء. المصورون يتسللون من بين الجدران بعدساتهم الحديثة لالتقاط صورة لجندي عراقي في التلة المقابلة، ولكن أيضاً بين هؤلاء من يعمل في الراديو وقد أحضر معدات بث مباشر وثبتها على سيارته بانتظار ربما الرصاصة الأولى، فهو يريد على ما يبدو أن يُسمع مستمعيه الحرب على الهواء. الأجواء هنا ليست أجواء حرب وشيكة. الطبيعة المحيطة بالبلدة تخلو الا من المواقع العراقية، ومن ذلك النهر البني العملاق. ثمة منازل مهدمة في منخفض قريب من النهر، وتلوح بالقرب منها سيدة ترتدي عباءة سوداء، قد تكون السيدة الوحيدة في البلدة من غير الصحافيات. ويقول البيشمركيون ان المواقع العراقية شهدت بعض التعزيزات، ولكنها ليست بالحجم الذي يؤشر الى التحضير لصد هجوم كبير. فقط راجمة صواريخ وبعض الرشاشات المضادة للطائرات. "القشخ" "التهريب" توقف بعدما اقفلت القوات العراقية الطريق، اذ يبدو أن المنطقة تعيش على تهريب النفط من العراق الى كردستان. انه المورد الأساسي لشبان المنطقة. ويقول حازم عبدالمجيد 26 سنة وهو من أبناء البلدة "صادر الجيش البراميل التي بحوزتي، والتي كان ينقل لي بها جماعة من العرب النفط من الموصل". وأضاف: "السيطرة التابعة للجيش قامت بحرق كل النفط المهرب، وفي الأيام المقبلة ستشهد المنطقة كلها أزمة محروقات"، ويتابع: "انا من أبناء العشائر السبع" وتولى زميل له شرح معنى ذلك، وهو أن سبع عشائر كردية تسكن في أطراف منطقة عقرة اتحدت وصارت تسمى بالعشائر السبع، وان تهريب النفط كان يخضع لهذا الحلف العشائري الممتد بين منطقتي سيطرة الجيش العراقي والحزب الديموقراطي الكردستاني. قرى صغيرة اخرى في محيط الكلك، والصحافيون ايضاً هم فرسانها الوحيدون، والتسابق بين حملة الكاميرات على أشده، لكن الصورة واحدة. السائق يقول ان هذه الطيور لا تقترب من الطريق في العادة كما تقترب منه الآن اذ يبدو ان نزوح الأهالي افسح لها المجال. اما الناس القليلون فجميعهم يتساءل في الوقت الذي تبقى لهذا الهدوء، فهنا طريق الموصل المدينة التي لا بد من عبورها للتوجه الى بغداد. وهنا آبار النفط قبلة أنظار الجيوش، والجميع غير مصدق ان هذا الهدوء سيستمر. لكن الغريب في الأمر ان هذه التساؤلات لا تترافق مع قلق أو اعتقاد بأن الحرب قد تلتهم قراهم هذه. فوجوه السكان القليلين منفرجة، وهم يشيرون الى الجنود العراقيين تارة بمودة وشفقة وتارة يشكون من وجودهم فوق القرى ومن احراقهم البنزين المهرب. القرى الخالية تشبه هنا، القرى التي يغادرها أهلها لتوهم من جراء تعرضها لحروب، فالأمكنة ما زالت ساخنة، والدواجن والمواشي ما زالت في حضائرها. والرجال القليلون الذين تبقوا من أبنائها تولوا توزيع الأعلاف والحبوب لها. ومن مهام هؤلاء الرجال أيضاً حماية البلدة من لصوص الحروب كما قال بعضهم، اذ لطالما تعرضت هذه القرى لحروب وانتفاضات، وأدى النزوح بين ما أدى اليه الى استباحة المنازل من قبل سارقين محترفين في ظل نظام علاقات عشائرية يبيح الغزوات ويحلل الغنائم.