هل كان المفكر الفرنسي فولتير ليرضى عن الغلاف الذي اختارته دار "فرييرغيشت" الفرنسية لنصّه المسرحي المجهول "التعصّب" يسمّيه البعض "محمد" الذي كتبه العام 1741 وفيه أمعن في تشويه صورة الإسلام؟ استغلّت الدار حادثة 11 أيلول لتجمع بين صورة البرجين والنصّ المسرحي "المهرطق" الذي أعادت اكتشافه، وكأنها تحاول اسباغ التهمة على الإسلام، عشوائياً واعتباطياً. ولعلّها في مثل هذه البادرة لم تسئ الى الإسلام مقدار ما أساءت الى مفهوم حريّة النشر في فرنسا والى فولتير نفسه الذي لو عاد اليوم الى الحياة لأنكر هذا النصّ والنصوص الأخرى التي اثقلت ضميره ودفعته الى التوبة في عامه الأخير، فأعلن على سرير الاحتضار انه يؤمن بالله وأنه يحب أصدقاءه ولا يكره أعداءه ويرفض المعتقدات الباطلة التي قال بها. وهذه التوبة أثارت حينذاك أتباعه ومريديه الذين تحمسوا لثورته ضد الكنيسة واعتبروه خائناً لهم ولنفسه. هل كان فولتير المفكّر التنويري والثوري متناقضاً أم أنه لم يستطع أن يحسم إن كان ملحداً - كما يصفه البعض - أو مسيحياً كما شاء أن يكون في آخر حياته؟ ربما كان فولتير شديد التناقض في حياته كما في أعماله. فهو الذي هاجم الطابع الدوغماتي للمسيحية واجداً فيه أصل الاضطهاد والظلم وعدم التسامح ومصادرة الحرية، وحمل على رجال الدين حملات قاسية وعنيفة، ما لبث أن انقلب على نفسه وعاد الى ايمانه المسيحيّ متخلّياً - ربما ظاهراً - عن مقولته الشهيرة: "أؤمن بوجود إله واحد مبنيّ على العقل". والكاتب الذي سجن ونفي واضطهد ومنع الكثير من مؤلفاته وأحرق بعضها ولا سيما "الرسائل الفلسفية"، في الساحات، كان في الحين نفسه على صداقة كبيرة مع الملك فريدريك الثاني الذي أوكله مهمات ديبلوماسية وسياسية في المانيا وبريطانيا وجعله "شاعر البلاط"! أكثر ما يفاجئ في مسرحية "التعصّب" أن فولتير أهداها الى البابا بنوا الرابع عشر وكأنّه كان يعلم مسبقاً أنها ستجلب عليه الكثير من المتاعب. وهذا ما حصل فعلاً، إذ أثارت المسرحية حفيظة الكنيسة وجمعية "المسيحيون الصالحون" وسرعان ما منعت بعد أن قدّمت في 1741 العام الذي كتبها فولتير خلاله. أما آخر إصدار لهذه المسرحية فكان في القرن التاسع عشر ضمن أعمال فولتير الكاملة، كما يشير الناشر. ومنذ ذلك التاريخ غابت المسرحية كنصّ، لكنّ الكلام عليها لم يغب كلّياً، إذ غالباً ما تذكر في "بيبليوغرافيا" فولتير. إذاً نجحت دار النشر الفرنسية في اعادة اصدار هذه المسرحية في الوقت الملائم، لكنها لم تعمد الى توزيعها على المكتبات. وأي قارئ يريد الحصول عليها ينبغي له ارسال "شيك" في قيمة 13.80 يورو الى عنوان للدار في مدينة فرساي. أما إذا اتصل الراغب في شرائها برقم للدار في باريس فهو سيُفاجأ بصوت مسجّل يملي عليه ما يجب أن يقوم به. انها طريقة غريبة بل سرّية في توزيع المسرحية تجعل الدار في منأى عن أي تهديد أو أي ردّ فعلٍ سلبي. فالمسرحية قاسية جداً في حقّ الدين الإسلامي وحافلة بالافتراءات والتهم الخاطئة والمختلقة. وتعترف الدار نفسها بأن فولتير كتبها ضد الدين المسيحي ولكن تحت غطاء الإسلام وكأنّه سعى هكذا الى "دغدغة" مشاعر بعض المسيحيين المتعصّبين والذين يملكون فكرة خاطئة عن الإسلام، ثم الى قول رأيه في الدين المسيحي وربما في الأديان كلها من غير أن يسمّي المسيحية. فولتير يجهل الإسلام من يقرأ النصّ المسرحيّ يدرك للفور أن فولتير يجهل الإسلام والعالم الإسلامي، فالنصّ لا مرجعية له، أحداثاً ووقائع وشخصيات. حتى الأسماء نفسها لم يسع فولتير الى توضيحها والى ادراجها في سياقها التاريخي، بل هو اختارها عشوائياً ومن دون هوية أو مرجع. فمن شخصيات المسرحية مثلاً: "زوبير" وهو يقصد به حتماً "الزبير" ولكن أي شخص تراه يكون بين عشرات الأشخاص الذين حملوا هذا الإسم؟ وكذلك "عمر" الذي شاءه في رتبة "ملازم أوّل" ليوتنان بالفرنسية في الجيش الإسلامي... أي عمر يكون هذا الشخص؟ وهناك "سيد" أو "سعيد" الذي يصفه بالعبد أي عبودية هذه؟ وبالمير العبدة أيضاً ولا أحد يدري ان كان فولتير يعلم أن هذا الاسم يعني "تدمر" المدينة السورية التي تسمّى "بالمير"... شخصيات لا هويات لها ولا ملامح عربية ولا إسلامية جمعها فولتير في صيغة مسرحية تراجيديّة على غرار مسرحياته الأخرى التي حذت حذو الأعمال الدرامية الكلاسيكية وقد بلغت ذروتها لدى الكاتبين الفرنسيين المعروفين راسين وكورناي. ويجمع الكثير من النقاد على أن لا قيمة أدبية للمسرحية، قياساً الى أعمال فولتير المهمة ومنها "زاديغ" و"كانديد"... دار النشر تتاجر ب 11 أيلول هكذا اختلق فولتير علاقات متوترة وصراعات بين شخصيات اسلامية مجهولة لا يعرف عنها أيّ ملمح أو سلوك. فهمّه أن يكتب عملاً تراجيدياً جاهزاً في اطار اسلامي مجهول التاريخ والمعطيات والأبعاد. وان كانت غاية فولتير ان يسقط الدين الإسلامي على الدين المسيحي خشية مواجهة الكنيسة وأن يتوارى وراء الإسلام في المعنى المجازي، فهو أساء هكذا الى الدينين، لأنّ من المستحيل اسقاط دين على آخر أو مهاجمة دين عبر اسم دين آخر. على أن القصة الدرامية هشّة جداً وغير مقنعة وفيها الكثير من الهفوات، ما يؤكد ان فولتير لم يعرف الإسلام ولا الحضارة الإسلامية. وقد يؤكد هذا الجهل بالدين الإسلامي أن فولتير شاء فقط أن ينتقد الدين المسيحي تحت غطاء الإسلام، فتخيّل تلك الأحداث المريبة التي لا يمكن أن يصدّقها أي قارئ مثقف وخصوصاً في العصر الراهن أما الخطأ الكبير فهو الذي ارتكبته الدار الفرنسية الجديدة التي انطلقت في عالم النشر بنصّ فولتير المجهول و"المهرطق"، وكأن هدفها الاتجار باسم فولتير وتراثه التنويري، وكذلك بالدين وحادثة 11 أيلول... وإلا فماذا يعني أن تختار صورة انفجار البرجين غلافاً لمسرحية كتبت قبل 262 عاماً وفيها يتمّ تشويه صورة الإسلام والمسيحية معاً، وفي طريقة تبدو الآن في القرن الحادي والعشرين، مصطنعة وربما ساذجة؟ ترى، هل تريد هذه الدار أن تجعل من فولتير... سلمان رشدي آخر؟