حذر باحثون أميركيون من أن القيود المشددة، التي فرضت على دخول الطلبة السعوديين والعرب عموماً الى الولاياتالمتحدة منذ أحداث 11 أيلول سبتمبر عام 2001، تهدد نواة حيوية من العلاقات الأكاديمية الأميركية - السعودية التي تشكلت عبر عقود، ونبهوا الى أن حملات الدعاوى القضائية والتمييز المستمرة ضد المؤسسات ورجال الأعمال والمستثمرين العرب تثير ردود فعل سلبية في الأسواق العربية وتلحق بشركات التصدير الأميركية خسائر ضخمة. ذكرت نائب مساعد وزير الخارجية لخدمات التأشيرات جانيس جيكوبس في شهادة أمام لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ في 23 تشرين الأول اكتوبر الماضي أن مكتب التحقيقات الفيديرالي "حقق أمنياً" في زهاء 100 ألف طلب تأشيرة لكنه لم يجد مبرراً لرفض أي منها، وترافق هذا التصريح مع اعلان صناعة السياحة الأميركية أن تشديد اجراءات دخول رجال الأعمال والسياح الدوليين ألحقت بها خسائر تقدر بنحو 15 بليون دولار. وأكدت وزارة الخارجية الأميركية أن القيود المفروضة على منح التأشيرات تنطبق على رعايا الدول الأجنبية من دون استثناء وان كانت سلسلة من الخطوات المعلنة، ومن ضمنها اجراءات التسجيل الملزمة للأجانب الموجودين داخل الولاياتالمتحدة، لا تدع مجالاً للكثير من الشك في أن المستهدف أساسا، أقله في الوقت الراهن، هم رجال الأعمال والطلبة الذكور من سن 16 الى 46 عاماً من رعايا الدول العربية وبعض الدول الاسلامية مثل تركيا واندونيسيا وماليزيا وافغانستان. خفض نسبة الدارسين العرب وأشار تقرير "التنمية البشرية العربي لسنة 2003"، الذي صدر أخيراً، الى أن اجراءات تقييد التأشيرات والحريات في الولاياتالمتحدة خفضت عدد الطلبة العرب الذين يدرسون في الجامعات الأميركية بنسبة 30 في المئة بالمقارنة مع 1999 و"طرحت تحديات خارجية خطيرة للتنمية العربية"، لكن مؤسسة أبحاث مستقلة معهد الأبحاث: السياسة الشرق الأوسطية أكد أن هذه القيود بدأت بإثارة القلق لدى الجامعات الأميركية التي ينفق طلبتها الدوليون 12 بليون دولار سنوياً بشكل رسوم ونفقات معيشة. وأبرز أحدث التقارير السنوية، التي تصدر عن "معهد التعليم الدولي" في نيويورك، أحد دواعي القلق الأكاديمي اذ رصد أن عدد الطلبة العرب المسجلين في الجامعات الأميركية في العام الدراسي 2001/2002، الذي بدأ قبل أيام فقط من أحداث أيلول، بلغ 24.338 الف طالب ما يعني أن الطلبة العرب الذين ارتفع عددهم بنسبة 3.2 في المئة بالمقارنة مع العام الدراسي السابق ينفقون أكثر من 500 مليون دولار سنوياً لتغطية رسوم الدراسة ومتطلبات المعيشة. وشكل الطلبة الخليجيون الثقل الأكبر بين الطلبة العرب الدارسين في الولاياتالمتحدة، وفي العام الدراسي 2001/2 بلغ عددهم 12.352 الف طالب أي نحو 51 في المئة من العدد الاجمالي للطلبة العرب، وتوزع الحضور الخليجي بين طلبة الكويت والامارات والسعودية التي بلغ عدد طلبتها 5.800 الف طالب من ضمنهم 300 طالب غادروا أميركا في غضون شهور قليلة من الأحداث وتحديداً في الفترة من أيلول الى كانون الأول ديسمبر من عام 2001. وأكد معهد الأبحاث، في دراسة، أن متاعب الطلبة السعوديين تفاقمت بحدة في العام الدراسي 2002 / 2003 وأنها مهيأة للمزيد من التفاقم في المستقبل المنظور ولفت الى استطلاع أجراه معهد التعليم الدولي في شباط فبراير الماضي ولم يظهر أن ربع 24 في المئة الجامعات الأميركية العشر الأكثر جذباً للطلبة الدوليين سجل انخفاضاً في عدد طلبته السعوديين وحسب بل ترك باب الاحتمالات مفتوحاً أمام المزيد من التدهور. وجاء التأخير في الموافقة على التأشيرات في مقدم العقبات التي تحول بين الطلبة السعوديين والتحصيل العلمي في أميركا وشملت عوامل أخرى أوردها تقرير معهد التعليم الدولي ضمن نتائج استطلاعه مخاوف أمنية ومصاعب مالية علاوة على اختيار الطلبة فرصاً أكثر اغراء للتحصيل العلمي في دول أخرى، وهو عامل اعتبره معهد الأبحاث اتجاهاً من شأنه أن يضاعف الأضرار التي لحقت حتى الآن بنواة حيوية من العلاقات الأميركية - السعودية الأكاديمية التي تشكلت عبر عقود من الزمن. ولفت المعهد الى أن نواة العلاقات الأكاديمية بدأت في التشكل مع توافد الطلبة السعوديين لاكتساب الخبرات الجديدة في الجامعات الأميركية في الخمسينات والستينات وأن الحكومة السعودية مولت التحصيل العلمي العالي لعشرات الآلاف من الطلبة السعوديين في فترة ازدهار أسعار النفط في السبعينات والثمانينات. مشيراً الى أن هذا الاستثمار الضخم في "رأس المال البشري" بلغ الذروة بارتفاع عدد الطلبة السعوديين في الجامعات الأميركية الى 30 ألف طالب قبل عقد من الزمن. وأكد أن الانخفاض الدراماتيكي في عدد الطلبة السعوديين من 30 ألف طالب في أوائل التسعينات الى 5.800 الف طالب قبل أحداث أيلول مباشرة كان له الكثير من التبعات السلبية أهمها وأشدها خطورة حدوث تآكل تدرجي في العلاقات التي نشأت بين الأميركيين والسعوديين في المناخ الأكثر مثالية على الاطلاق وهو المناخ الأكاديمي لافتاً الى أن غالبية الطلبة السعوديين تعود الى السعودية لوضع خبراتها في خدمة بناء البنية التحتية. لكن المعهد الذي توقع أن يكون عدد الطلبة السعوديين انخفض من جديد، ومنذ أحداث أيلول، الى أقل من 3.500 الف طالب نبه الى التبعات الاقتصادية لتضرر نواة العلاقات الأكاديمية وقال: "ان ما يبعث على القلق أن فقدان الولاياتالمتحدة نفوذها التدريبي على المهندسين والأطباء ورجال الأعمال سيعني أن الكثيرين من هؤلاء سيتوجهون الى مزودين غير أميركيين لتلبية حاجات حياة عملية كاملة من مشتريات السلع الصناعية والاستهلاكية والخدمات". وشدد المعهد الأميركي، الذي يتوجه بأبحاثه الى صناع السياسة في واشنطن ويعتبر أحدث عضو في مجموعة صغيرة جداً من مراكز الأبحاث المنصفة للعرب، على أن اصلاح الضرر يتطلب من الجامعات والحكومة اتخاذ الخطوات الكفيلة لاستعادة أميركا وضعها كوجهة جذابة للتحصيل العلمي وفي مقدمها معالجة مسألتي التأشيرات والمخاوف الأمنية التي يعانيها الطلبة الدوليون. واشار الى أن الكثيرين من الطلبة السعوديين وآخرين من الطلبة الدوليين يمتنعون عن زيارة ذويهم في بلدانهم خشية عدم السماح لهم بالعودة الى جامعاتهم. وإلى جانب الجامعات الأميركية التي حذرها من جهود حثيثة تبذلها جامعات أوروبا واستراليا ونيوزيلاندا وكندا لاجتذاب الطلبة السعوديين، نبه المعهد في دراسة منفصلة، الشركات الأميركية الى أن حصتها في واردات الأسواق العربية التي يمكن أن تصل قيمتها الى 220 بليون دولار في عشر سنوات تواجه مخاطر متعاظمة ليس من عوامل دولية مثل المنافسة الآسيوية وحسب بل من عوامل مستجدة وأهمها: 1 - قيود التأشيرات التي تعامل المديرين التنفيذيين المخضرمين للشركات العربية معاملة المشتبه به. 2 - حملات الكراهية ضد العرب. 3 - انخفاض عدد الطلبة العرب الدارسين في الجامعات الأميركية. 4 - حملات الدعاوى القضائية التي تثير مخاوف التجار والمستثمرين العرب وستستمر في دفع رجال الأعمال واستثماراتهم خارج الولاياتالمتحدة.