مضت فترة كافية بعد أحداث 11 أيلول سبتمبر في الولاياتالمتحدة الأميركية، كي يتخذ خريجو الجامعات السورية القرار بتحديد وجهتهم المفضلة لإكمال تحصيلهم العلمي، ويتوقع ان تستقطب جامعات أوروبا الغربية أعداداً لا بأس بها منهم بعدما وضعت الولاياتالمتحدة اجراءات صارمة في منح التأشيرات وفي شكل خاص لمواطني الدول التي تتهمها برعاية الارهاب. وانعكس الوضع الفلسطيني على قناعة الطلاب في اختيار الوجهة على خلفية التظاهرات التي شهدتها الجامعات السورية وتعطي جامعة حلب نموذجاً لذلك. يرى بهجت سحاري، اختصاصي جراحة عامة، ان سياسة الولاياتالمتحدة تجاه سورية ودعمها المطلق لإسرائيل أفقداها رصيدها الأخلاقي لدى السوريين والوسط الطلابي بخاصة "لم يعد موضع ريبة انكار الولاياتالمتحدة الحقوق العربية ومساندتها اسرائيل في سياسة القتل والتدمير ضد الشعب الفلسطيني بحجة مكافحة الإرهاب، كما ان المعاملة السيئة التي يتلقاها الرعايا العرب والمسلمون داخل الولاياتالمتحدة تثير التساؤل والقلق وعدّت حقوق الإنسان من مخلفات عصر ما قبل أيلول" بحسب قوله. يضيف: "أسعى الى اتمام دراستي في جراحة الأوعية في انكلترا ولم تعد الدراسة في الولاياتالمتحدة تثير اهتمامي ما دامت جامعات أخرى تحظى بالكفاية العلمية نفسها". تؤثر مريم بركات ماجستير في الرياضيات الحصول على شهادة الدكتوراه من جامعات المانيا وتدعو الخريجين السوريين الى متابعة تحصيلهم العلمي في سورية ان أمكن أو في جامعات أوروبا ما لم تغير الولاياتالمتحدة سياستها في شكل جلي وصريح تجاه الشعوب العربية "لأن غطرسة القوة الأميركية طغت على الجوانب الانسانية في علاقتها مع الدول الضعيفة، ناهيك عن التمييز العنصري وانتهاكها حقوق الإنسان كما تظهر وسائل الإعلام" كما تقول. تتابع: "أدت التظاهرات التي شهدتها الجامعات السورية رداً على اعادة احتلال اسرائيل للضفة الغربية وسقوط عدد كبير من الشهداء الفلسطينيين الى تزايد مظاهر السخط والعداء للولايات المتحدة جراء انحيازها الى الاحتلال وأدى ذلك الى تأجيج روح المقاومة ومقاطعة كل ما هو أميركي بما في ذلك الجامعات الأميركية". ويعتقد زهير اسماعيل طبيب بشري، ان أحداث أيلول وما تبعها قضت على آمال الكثير من زملائه في نيل دراسات عليا من الجامعات الأميركية، إذ ان خريجي هذه الجامعات يشغلون مكانة متميزة في المجتمع السوري ومؤهلون أكثر من غيرهم لشغل مراكز علمية مرموقة "لكن عدم منح التأشيرات لهؤلاء على رغم استيفائهم جميع الشروط وجّه سعيهم الى الالتحاق بجامعات أوروبا الغربية بعد فترة انتظار كافية لاتخاذ القرار المناسب" بحسب قوله. والداخل الى مكتبة مستشفى حلب الجامعي يلحظ اهتمام قسم كبير من الطلاب والخريجين برفع مستوى تعلم اللغة الانكليزية من خلال "كورسات" حصلوا عليها من جامعات أميركية أو مدارس مختصة التحقوا بها لهذه الغاية، وعبر بعضهم عن خيبة أمله لعدم منح التأشيرات، حتى ان عدداً منهم التحق بدورات تعلم اللغة الألمانية والفرنسية. وتشجع وزارة التعليم العالي السورية الالتحاق بالجامعات الفرنسية نتيجة تحسن العلاقات مع فرنسا في مختلف المجالات وبخاصة العلمية، إذ توفد أعداداً كبيرة من خريجي جامعاتها لإكمال التحصيل العلمي فيها. يشار الى انه بانتهاء العام الدراسي يلجأ الكثير من خريجي الجامعات السورية الى مكاتب المراسلات الجامعية التي تنشط في تأمين شروط الانتساب الى الجامعات الأجنبية والأوروبية منها في شكل خاص بعد أن خفّ الاقبال على جامعات الاتحاد السوفياتي السابق بتراجع سمعتها الدولية ومستواها الأكاديمي اللائق. من جهته، يدعو الدكتور عبيد الغني السيد عمر أستاذ في قسم الكيمياء في كلية العلوم الى التفريق بين الشعب الأميركي والمؤسسات العلمية الأميركية التي تستفيد في شكل كبير من العقول العربية المهاجرة وبين الإدارة الأميركية "التي تفتقر الى رؤية واضحة وسياسة حكيمة لحل الصراع العربي - الاسرائيلي، ما ينعكس على وجهة نظر المواطن العربي ازاءها"، ويرى انه ليس من حقها منع علومها على الآخرين لأن العلم نتاج انساني يحق للجميع تعلمه والتمتع بتطبيقاته، منوهاً بأن العقل العربي بات أشد ادراكاً لمفردات الصراع كذلك النخبة أضحت أكثر ارتباطاً بواقعها وأفضل فيها لقدراتها ومصالحها.