مع إسدال الستار على ملف المتعثرين وتهيئة الساحة المصرفية لما يمكن أن يطلق عليه اسم "عقد اقتصادي" جديد مع طبقة رجال الأعمال بعد فشل استرداد نحو 38 بليون جنيه نحو 8 بلايين دولار لأن درجة الاستجابة لتوفيق الأوضاع بين هذه الفئة لم تتجاوز نسبة ضيئلة للغاية على مدى أكثر من تسعة أسابيع أقل من 10 في المئة اعلن البنك المركزي إطلاق يد المصارف في مباشرة إجراءات الملاحقة ضد عملائها المتعثرين من دون حاجة إلى الرجوع إليه، ودعاها إلى اجتماع عام بعد العيد مباشرة. وإذا كان "المركزي" لم يعترف صراحة بهذا الفشل إلا أنه أفسح الطريق أمام النيابة العامة سلطة الإدعاء باسم الدولة لتتخذ قرارها بالتحفظ على أموال وممتلكات اثنين من رجال الأعمال حسن أبو المكارم وحسام أبو الفتوح وممتلكات اسرة رجل أعمال ثالث محمد الجارحي بالإضافة إلى مباشرة القرار نفسه في حق اثنين من ابرز القيادات المتهمة بإساءة استخدام الصلاحيات في منح الائتمان أحدهما الرئيس السابق للجنة الاقتصادية في البرلمان، ومثل هذا القرار كان من حق النيابة العامة اتخاذه منذ فترة طويلة إلا أن الضوء الأخضر من جانب المركزي بعد استنفاد كل الطرق الودية اسقط أوجه الحرج بما فيها السياسي في هذه الفترة فقط. والمؤشر الثاني الذي كشف ذلك الفشل هو التجاهل الكامل من جانب الحكومة للتعقيب على نتائج مفاوضات المصارف مع المتعثرين. والاكتفاء بما قامت به الأجهزة القضائية وكأن ذلك شأن مصرفي خاص على رغم أنها ارتضت في البداية طرح المبادرة على عاتقها. ومع كل ما حدث خلال تلك الفترة داخل الجهاز المصرفي من تطورات لم يغير ذلك من حقيقة كون هذه المرحلة فارقة بين ما قبلها وما بعدها. وهو هدف يكاد يرتفع إلى مستوى هدف مبادرة تسوية التعثر المصرفي في حد ذاته بل ويمكن قراءة مبررات جديدة لطرح المبادرة في ضوئه، حيث تبدأ مرحلة جديدة ذات سمات خاصة في منح الائتمان. فالمبادرة التي طرحتها الحكومة، كما يلفت أحد المصرفيين، تتحول إلى ما يشبه عملية الفرز لطبقة رجال الأعمال الذين قامت الدولة عن طريق منح الائتمان المصرفي بصناعتهم ووقع اختيارها على فئة من دون غيرها لتسميهم العملاء الاستراتيجيين من بين أفرادها، لكنهم لم يجتازوا في قسم كبير منهم اختبار الأزمات التي كشفت عنها الفترة من عام 1999 وحتى الآن بعد ما فتحت أمامها خزائن المصارف. بل انهم لجأوا إلى إنكار حقوق الدولة وحاول البعض منهم الفرار بما حصده من أموال تلك المصارف، لهذا فإن هذه المبادرة تكتب شهادة "الوفاة" لهؤلاء في الوقت الذي ربما تمنح فيه آخرين شهادة "الميلاد" بمواصفات جديدة لأداء مهام جديدة وعاجلة وبقدر الحاجة إلى الإسراع بالخروج من دائرة الركود الخانقة داخل السوق في مصر. ومثل هذه الحالة تحتاج إلى ما يمكن أن يطلق عليه "إعادة تنظيف المائدة" التي من بين مواصفاتها تغيير الأدوات وفي مقدمها قواعد الإدارة والكوادر التي تقوم بمهام عملية التحول وتضمن تلافي عيوب المرحلة السابقة عندما يتقرر من أجل استعادة معدلات النمو المطلوبة فتح خزائن المصارف مرة أخرى أمام الفئة الجديدة من رجال الأعمال التي سيكون فوزها هذه المرة أكثر صرامة، ومتابعة نشاطها أكثر دقة وإحكام لهذا استبقت الحكومة انتهاء مهلة المبادرة بالإعلان عن تغييرات ينتظر أن تكون واسعة في صفوف مجالس إدارات المصارف فيما تم تسريب معلومات بين قيام المصرف المركزي بإعادة توصيف الائتمان الجيد من خلال تعليمات يعتزم تعميمها على مجالس إدارات المصارف بمجرد إقرارها.