الجامعة الإسلامية تطور جيلاً جديداً من الطائرات دون طيار    «بيئة حائل» تكثف جولاتها الرقابية على الأسواق والمسالخ استعداداً لرمضان    اتفاقية تعاون بين مركز الملك سلمان الاجتماعي وجمعية العلاج الطبيعي    ضبط 20237 مخالفًا    أمانة نجران تغلق مخبزاً مخالفاً    «التوعية بالظواهر الجوية» يزيد ثقافة الوقاية    «الأفكار الاستثمارية والمحتوى المحترف» طريق الصحافة للاستدامة    5000 منشط دعوي في مكة    منتدى الإعلام.. يواكب عالمًا يتشكّل    إمام المسجد النبوي: الدعاء لُبُّ العبادة وجوهرها    «دار رعاية نفسية» في جدة.. حاجة مجتمعية    الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن جرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»    المملكة تدين الهجمات الإجرامية لقوات «الدعم السريع» في السودان    تقارير.. كونسيساو غاضب من ادارة الاتحاد    الخلود يهزم الشباب.. التعاون والقادسية يعادلان الخليج والفتح    اتفاقيات نوعية تعكس التعاون في مختلف المشاريع.. السعودية وسوريا.. مرحلة جديدة من الشراكة الاستثمارية    أوستن مقر الأخضر السعودي في كأس العالم 2026    القيادة تهنئ الحاكم العام لنيوزيلندا بذكرى اليوم الوطني    منافسات قوية في اليوم الرابع لبطولة آسيا للدراجات 2026 بالقصيم    موجز    السعودية تترأس مجلس منظمة التعاون الرقمي لعام 2027.. «إعلان الكويت».. التزام مشترك بتحقيق تحول رقمي شامل    وفد الكشافة يطمئن على القوقاني    ضبط 1455 حالة لممنوعات بالمنافذ    «دعم» تؤهل قيادات تطوعية    رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء في خدمة الوطن.. أمراء يؤدون صلاة الميت على محمد السويلم    رابطةُ العالم الإسلامي تُدين التفجيرَ الإرهابيَّ الذي استهدفَ مسجدًا في إسلام آباد    بسبب«الهواتف» انتحار 3 شقيقات    «آبل» تحذر من هجوم عبر رسائل مزيفة باسمها    انطلاق «المؤتمر الآسيوي».. الكريديس: السعودية تقود حراكاً عالمياً للاستثمار في الموهوبين    3 حالات تسمح للجمعيات الأهلية بتجاوز أهدافها    حادث يدخل الفنانة نهال القاضي في حالة حرجة    وسط تعثر المفاوضات.. موسكو تقصف منشآت الطاقة في كييف    تحت رعاية الأمير عبدالعزيز بن سعود.. نائب وزير الداخلية المكلف يشهد حفل تخريج الدفعة ال (7) من الدورة التأهيلية للفرد الأساسي (نساء) بكلية الملك فهد الأمنية    مختص يحذر من أطعمة ترفع سكر الدم    خبراء يحذرون من مخاطر السجائر الإلكترونية    كونسيساو: الحكم تحامل علينا وحرمنا ضربتي جزاء    الأمير بندر بن خالد الفيصل: رعاية خادم الحرمين الشريفين لكأس السعودية للخيل مصدر فخر وإلهام    بحضور قيادات رياضية.. تتويج الأبطال في ختام بطولة مهد الجيل القادم    مبادرة التحلل من النسك    الظلم... طريق الهلاك    إخوان الإمارات ليسوا كالإخوان    زيلينسكي: أميركا تريد من أوكرانيا وروسيا إنهاء الحرب قبل الصيف    رحلات الزوجات تشعل نقاش المساحة والراحة الأسرية في جدة    "البريك" تهنئ الأستاذ عبدالله حُمدي بمناسبة ترقيته إلى المرتبة الرابعة عشرة    انطلاق منافسات النسخة الحادية عشرة من مسابقة أمير الرياض لحفظ القرآن بشقراء    الجزائر تبدأ إلغاء اتفاقية خدمات النقل الجوي مع الإمارات    فريق الأنوار التطوعي يشارك في فعالية «المشي من أجل صحتك» بحديقة الغروب في ضم    ليلة محافظة الحرث تضيء مهرجان جازان بحضور المحافظ وأهالي المحافظة    انطلاق المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع بجدة غدًا    السعودية وسوريا.. مشروعات واتفاقات استراتيجية ضمن شراكة شاملة    غدا.. انطلاق النسخة الثانية من مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة    تجمع جازان الصحي يحقق إنجازًا طبيًا غير مسبوق في عمليات القلب بالمنطقة    أستراليا تطلق تجربة سريرية رائدة لعلاج أورام الدماغ لدى الأطفال    قائد قوات الدفاع الجوي يرعى حفل تخرج معهد الدفاع الجوي    أمير الرياض يستقبل سفير الكويت    جلوي بن عبدالعزيز: العمل الخيري في المملكة قائم على البذل والعطاء والتكافل    أمير منطقة جازان وسمو نائبه يعزّيان عريفة قبيلة السادة النعامية بالعالية في وفاة والدته    نائب أمير جازان يعزي شيخ شمل السادة الخلاوية وتوابعها في وفاة والده    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"المحكمة الجنائية الدولية هدية من السماء لانصافنا". القاضي فؤاد عبدالمنعم رياض ل"الحياة": نحاكم الأفراد على جرائمهم ولا نحاكم الدول أو الشعوب
نشر في الحياة يوم 09 - 04 - 2001

مرت سبع سنوات على تأسيس المحكمة الجنائية الدولية لجرائم الحرب في يوغوسلاغيا السابقة. وهي ثاني محكمة من نوعها بعد "نورمبرغ"، ولكنها تتميز عن محكمة النظام النازي بكونها تعبر عن ارادة دولية لمعاقبة مقترفي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ولبى تأسيس المحكمة الجنائية ليوغوسلافيا حاجة ماسةً على المستوى الدولي الى الاقتصاص من مقترفي مثل هذه الجرائم. وكانت اول محاولة مماثلة في التاريخ حصلت في اعقاب الحرب العالمية الأولى، إذ نصت معاهدة فرساي عام 1919 على انشاء محكمة دولية لمحاكمة قيصر المانيا فيلهلم الثاني لارتكابه "جرائم كبرى ضد الضمير العالمي"، الا ان المحكمة لم تر النور بسبب رفض هولندا تسليم القيصر الذي التجأ اليها.
بعد سبع سنوات على انشائها نجحت المحكمة نجاحاً كبيراً في اداء عملها، بل غيرت من سلوك السياسيين المعاصرين وشكلت قوة ردع اساسية لارتكاب جرائم ضد الإنسانية. أما بالنسبة الى المتهمين المطلوبين للمحكمة الآن، ممن تلطخت ايديهم بدماء الأبرياء من ضحايا المجازر، فقد اصبح وجودها كابوساً يلاحقهم ويضيق الخناق عليهم يوماً بعد آخر. جاء استحداث المحكمة من جانب مجلس الأمن في خضم العقد الأكثر سواداً في تاريخ البشرية: عقد التسعينات. فخلال سنواته شهد العالم اكبر عدد من المآسي، بدأت بتفتت الدولة الصومالية وما أعقبه من سفك للدماء بعد انفلات الوضع الأمني للبلد، وتلاه انفراط عقد الاتحاد اليوغوسلافي وما جرّه من حروب ومجازر في البوسنة والهرسك منذ عام 1991. واستمر الأمر بأفظع مجزرة شهدها المجتمع البشري في رواندا عام 1994، والتي فتك فيها قسم من السكان بالقسم الآخر، واختتمت سلسلة المجازر بما حصل من فظائع في اقليم كوسوفو اواخر عام 1999 حيث شهد العالم يوماً بيوم وعلى شاشات التلفزيون وبالعرض البطيء، تنفيذ سلطات ميلوشيفيتش عمليات تطهير عرقي للأقليم من الألبان المسلمين وما رافقها من قتل وتدمير للمنازل. وبين هذه المجزرة أو تلك واصلت اسرائيل خلال العقد ذاته عدوانها على الشعب الفلسطيني، وهو عدوان شهد منذ عام تصعيداً يومياً ينذر بالانفجار والتحول الى مذبحة كبرى كتلك التي تنظر فيها المحكمة الجزائية ليوغوسلافيا حالياً. ومع ترسخ اقدام المحكمة على المسرح الدولي توسعت اقسامها وزادت ميزانيتها السنوية من ربع مليون دولار عام 1993، الى حوالى 100 مليون للسنة الحالية. وبعد اقل من سنتين على تأسيسها وتعرضها لحملة منظمة ساهمت فيها أطراف عديدة، تنتقص من جديتها وشرعيتها وجدواها، تم تشكيل محكمة مماثلة لجرائم رواندا. وقبل ان تأتي نهاية القرن العشرين توصل المجتمع الدولي الى اقرار انشاء "المحكمة الجنائية الدولية الدائمة" التي تنتظر الشروع في عملها قريباً.
في لاهاي، حيث مقر محكمة جرائم الحرب الدولية في يوغوسلافيا، التقت "الحياة" القاضي الدولي المصري فؤاد عبد المنعم رياض، عضو هيئة المحكمة، الذي واكب تطور عمل المحكمة منذ تأسيسها، وتحدثت اليه عن الاستحقاقات المستقبلية للمحكمة والعقبات التي تواجهها، اين نجحت وأين اخفقت؟ والقاضي رياض شخصية قانونية دولية مرموقة عمل في مختلف المؤسسات القانونية الدولية كالوكالة الدولية للطاقة النووية في فيينا، وتولى رئاسة اللجنة العامة لقانون المعاهدات التابعة للأمم المتحدة. كما امضى سنوات طويلة في تدريس القانون في جامعة القاهرة حيث اصبح رئيساً لقسم القانون الدولي حتى نهاية التسعينات. وقام كذلك بالتدريس في اكاديمية القانون الدولي في لاهاي وفي جامعات فرنسا واميركا قبل توليه عام 1995 منصب قاضٍ في الغرفة الأولى للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا.
وينطوي الحديث مع القاضي رياض على اهمية خاصة، اذ انه احد ابرز القضاة المرشحين لإدارة ملف محاكمة الرئيس الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش عند مثوله امام المحكمة، إذ يسود اجواء المحكمة حالياً مناخ متفائل بإحضار ميلوشيفيتش الى لاهاي في وقت قريب، قد لا يتجاوز نهاية العام الجاري، كما تقدر مصادر قانونية وسياسية متخصصة. وهنا نص الحديث:
ماذا قدمت المحكمة من حلول ومعالجات لجروح الوجدان البشري في البوسنة والهرسك وكوسوفو، واي دروس اعطت، في النهاية، للديكتاتوريات ومشعلي الحروب من امثال ميلوشيفيتش وكاراجيتش وملاديتش؟
- اولاً يمثل القانون الأساسي للمحكمة اول قانون جنائي - اجرائي دولي، وهي نجحت في التحول الى عنصر ردع عملي واخلاقي لكل من يفكر ان بوسعه ان يعبث بأرواح الناس، ويستغل شعبه لإبادة شعب آخر. كما انها اول تجربة حقيقية لانشاء قضاء جنائي دولي على اسس سليمة تعبر عن مصالح المجتمع الدولي. ولكن دعني اقول لك: انني كقاضٍ كإنسان اعتقد ان هذه السابقة تعتبر اهم طفرة في تاريخ البشرية والمجتمع الدولي. لماذا، لأن المجتمع الدولي كان يبدو محكوماً بشريعة الغاب مقارنةً بالمجتمعات الداخلية للدول، فمن يسرق رغيفاً او يقتل شخصاً فيها يحاكم ويسجن، بينما لا يتعرض مرتكبو المجازر ضد شعبهم او الشعوب الأخرى للمحاسبة. هذا الكلام قال عنه الشاعر: قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ/ لا تغتفر وقتل شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر!/ الآن اصبح الاعتداء على الشعوب الآمنة جريمة لا تغتفر ايضاً.
ثم هنالك درس آخر قدمته المحكمة وهو انها تحاكم من وجهة نظر القانون الدولي وباسم المجتمع الدولي وليس باسم الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية وهم يحاكمون ألمانيا ونظامها النازي المهزوم في نورمبرغ. ومن هذا المنطلق فإننا نحاكم دولاً خرجت من حروبها "منتصرة" كما صربيا، أو مواطني دول اخرى استقلت بذاتها عن يوغوسلافيا السابقة. فضلاً عن ذلك لم تقتصر صلاحيات المحكمة على جرائم الحرب وجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، بل انها اعادت تعريف وتوسيع معنى تلك الجرائم، فأصبح الاغتصاب والانتهاكات الجسدية جرائم تشملها صلاحيات المحكمة. ففي المحكمة الراهنة وجدنا ان في حالات كان القصد فيها من الاغتصابات التي حصلت يرقى الى محاولة ابادة الجنس الآخر، كأن يغتصب المعتدون نساء البوسنة ويمنعوهن من الإجهاض قائلين: نريد ان نزرع فيكم البذور الصربية!
ولكن الرأي العام كان يرى انكم، خصوصاً في البداية استهدفتم "صغار السمك" ولم تذهبوا الى اصل البلاء. حاكمتم ضباطاً صغاراً ومديري معسكرات اعتقال او قادة ميليشيات فيما بقي ميلوشيفيتش وكاراجيتش وملاديتش يسرحون ويمرحون، بل ان ميلوشيفيتش صدم العالم بشن حرب اخرى بعد البوسنة والهرسك ومجازرها، في كوسوفو؟
هذا صحيح! ففي البداية لم تكن للمحكمة قدرة على تنفيذ مهمتها لأننا ازاء دول ذات سيادة تحمي المتهمين ويصعب الوصول اليهم أو إلى الوثائق التي تساعد في استكمال ملفاتهم. ولكن كان علينا ان ننطلق من نقطةٍ ما لنثبت مصداقية وجدية المحكمة وطاقمها. ومع الوقت اخذنا المجتمع الدولي بشكل جدي، بل ان محكمة اخرى مماثلة انشئت لمعالجة مجازر رواندا. وامام المحكمة حالياً 99 قضية ويوجد في سجنها التحفظي 37 سجيناً بينهم جنرالات وقادة، بل ان خوف بعض المتهمين دفعهم الى تسليم انفسهم طوعاً ومنهم من كان عضواً في مجلس رئاسي ويخشى بقية المتهمين الخروج من مخابئهم او السفر منذ سنوات طويلة.
ويهمني ان اضيف شيئاً عمن يطلق عليهم تعبير "صغار السمك"، أي المتهمين ذوي الرتب الصغيرة، فرغم ادراكنا اهمية القبض على كبار المسؤولين ومحاكمتهم فإن التجربة اثبتت كم هو مهم للضحايا سواء في البوسنة او كوسوفو ان يروا مرتكب الجريمة ذاته، أي الشخص الذي قام بتعذيب الضحية أو اغتصابها في قفص الاتهام. بل قد يرد لهم ذلك اعتبارهم أكثر من محاكمة القائد الأعلى او الرئيس الذي ليست له صلة به. وشهدت المحكمة حالات مأسوية عديدة حين كانت المرأة المغتصبة تنهض لتشير الى مغتصبها وتقول: هذا هو الشخص الذي اعتدى على شرفي واشكركم على محاكمته.
ولكن لم نتخلَّ عن الرسالة الأساسية للمحكمة وهي: متابعة الرؤساء وكبار مدبري هذه الجرائم. وقد اثبتت الوقائع فعلاً ان لا مهرب ولا مخبأ للمتهمين من العدالة، وسيظلون مطاردين. ان القيمة الردعية للمحكمة تنبع من ان ليس بوسع احد مهما علت منزلته، سواء كان رئيساً لدولة او قائداً لجيش، ان يبقى فوق المساءلة الدولية.
وماذا عن ميلوشيفيتش؟ فالقيادة الصربية الجديدة تمتنع عن تسليمه للمحكمة وهي تحاكمه في بلغراد لجرائم ليست لها علاقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بل تقتصر على الاختلاسات والفساد؟
- ان نظام المحكمة الذي أرساه مجلس الأمن يبيح لكل دولة ان تقوم بدورها بمحاكمة من يرتكب جرائم حرب او جرائم ضد الإنسانية. ولكن هذا الانفراد لا يمنع المحكمة الدولية من مطالبة هذه الدول بتسليمه إليها. وبعبارة اخرى فإن الأسبقية تكون دائماً للمحكمة الدولية على المحاكم الوطنية. ويحق للمحكمة ان تعيد المحاكمات التي تجريها الدول لمتهمين اذا وجدت انها كانت مرتبة وملفقة او انها تضمنت احكاماً هزيلة لا تنسجم مع جدية جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية.
ولكن دعني اقول ان ما يجري حالياً في صربيا يبشر بالخير، ففي النهاية يمكن ان تكشف محاكمة ميلوشيفيتش عن طبيعة هذا الشخص وتحط من قيمته امام ابناء شعبه الذي قد يكون مضللاً بالإعلام المنحاز له، واذا حصل ذلك فهو لن يلقى مساندة من احد.
ولكن رئيس جمهورية صربيا كوشتونيتسا يتذرع بأن القانون الوطني يمنع تسليمه الى بلد آخر؟
- هذا امر غير دقيق، فالمحكمة الدولية ليست بلداً "آخر"، فهي تمثل المجتمع الدولي بأسره، ومرجعيتها يجب ان تسبق المرجعية القانونية المحلية. وبالتالي فإن التذرع بأن القانون الوطني يمنع التسليم لا يسري بمواجهتها. هذا فضلاً عن ان المبادئ المستقرة في القانون الدولي تؤكد على ان أي دولة لا تستطيع التنصل من التزاماتها الدولية بحجة ان دستورها لا يسمح باداء هذا الالتزام. إذ يتعين عليها في هذه الحالة تعديل دستورها، وهذا ما حصل مع عدد من الدول، وهو ايضاً ما وعدت به يوغوسلافيا في المستقبل القريب.
ذكرتم ان ثمة عقبات عملية وسياسية ما زالت تعوق عمل المحكمة، مثل صعوبة جمع الأدلة والحرب قائمة او استجواب الشهود ميدانياً. كما ان المتهمين باقتراف جرائم من اختصاص المحكمة يبذلون قصارى جهدهم لطمس معالمها. كما تشكل ممانعة الدول التي ينتمي اليها المتهمون عقبة في سبيل تسليم المتهمين او تنفيذ الحكم. كيف تعاطت المحكمة مع هذه العوائق؟
- لا يمكن انكار ان المحكمة لا تزال تصطدم بالعقبات الناجمة اساساً عن عدم التزام بعض الدول احياناً بقرار مجلس الأمن الذي يلزم الدول كافة بالتعاون مع المحكمة وتنفيذ كل قراراتها، سواء تلك التي تتعلق بطلب الأدلة او التحقيق الميداني او تسليم المتهمين. غير ان مثل هذه العقبات في طريقها الى الزوال، كما اثبتت الأحداث في الفترة الأخيرة.
أي دول ابدت تعاوناً اوثق معكم، وأيها تمنعت؟
- كل الدول ذات الصلة قدمت دعمها للمحكمة بهذه الدرجة او تلك، الا ان دولاً مثل المانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وانكلترا والولايات المتحدة لم تدخر شيئاً لمساعدة المحكمة. كما ان صربيا سمحت اخيراً بفتح مكتب دائم للمحكمة في بلغراد. ونحن نتفهم اوضاع الحكومة الجديدة ونرى انها تتقدم بسرعة نحو تطبيق التزاماتها الدولية.
من الناحية التقنية - القانونية ما الذي تتميز به المحكمة عن المحاكم التقليدية؟
- ترتكز المحكمة على النظام القضائي الأنكلو اميركي اذا صح التعبير. أي ان القاضي يؤدي دور الحكم بين الادعاء والاتهام من دون ان يتدخل في عمق القضايا او يبادر الى توجيه الأسئلة غير الإجرائية. وهو نظام يختلف عن نظامنا الشرقي او النظام الفرانكوفوني الذي يعطي القاضي صلاحيات واسعة ويمحضه ثقته المطلقة بوصفه المسؤول عن تحقيق العدالة واستخلاص الوقائع عبر المبادرة الى طرح اسئلة. في محكمتنا نجحنا الى حدٍ ما في المزاوجة بين النظامين ليصبح للقاضي دور اكثر نشاطاً.
ولكن نظام عمل القضاة هنا يختلف اجرائياً ايضاً. فالمحكمة لا تلجأ الى المحاكمة الا بعد حضور المتهم. ولا تمارس المحاكمات الغيابية. فدائرة المدعي العام تنحصر مهمتها في التحقيق وجمع الأدلة والقرائن وتحضير ملف الاتهام. ولكن عملها لن يرى النور حتى يصادق عليه احد القضاة الأربعة عشر. وعند ذلك فقط تصدر مذكرة توقيف، ويسمح لهيئة الادعاء العام بأن تعدل لوائح الاتهام مع الكشوفات الجديدة عن قرائن او جرائم بحق المتهم، ولكنها تحتاج الى مصادقة القاضي في المراحل التالية.
وفي ما يتعلق بميلوشيفيتش، هل يمكن للمحكمة أن تصدر حكماً على الدولة الصربية مثلاً كفرض تعويضات للضحايا او للدول المتضررة، وليس على الرئيس كفرد لوحده، كما جرى الأمر بالنسبة الى المانيا بعد الحرب العالمية الأولى؟
- لا، ليس من اختصاص المحكمة ان تحاكم الجماعات السياسية والمعنوية، بل يقتصر عملها على مسؤولية الأفراد وحدهم. وقد حدد مجلس الأمن الدولي هذا الاختصاص تجنباً لنشر بذور أي صراع جماعي ترثه الأجيال المقبلة.
كأول قاضٍ من العالم العربي والاسلامي اين تقع منزلة المحكمة بالنسبة الى منطقتنا، وكيف رأيت استجابتنا لإنشائها؟
- يؤسفني القول ان العالمين العربي والاسلامي قليلا الاهتمام بالمحكمة، وانت اول صحافي عربي يزورني في مكتبي منذ ست سنوات. في حين ان المحكمة، على المديين القصير والبعيد، ذات صلة وثيقة بعالمنا. فمن ناحية اولى غالبية الضحايا الذين تنتصر لهم المحكمة هم من المسلمين، ويتيح انصافهم على هذا المستوى ان يكون رسالة طيبة تسهل وتعزز روح التعاون والثقة بيننا والعالم. كما أن الوجدان العربي لا يزال يعاني بسبب ما يجري على ارضه من جرائم ضد عرب فلسطين ومن المهم جداً ان تكون هناك محكمة دولية في المدى الطويل لمحاكمة مرتكبي هذه الجرائم.
واسمح لي ان أناشد على صفحات جريدة "الحياة" بقية الصحف ووسائل الإعلام العربية ان تسهم في نشر الوعي بحقوق الإنسان وبحقيقة ان المحكمة الجنائية الدولية لجرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة هي هدية من السماء جاءت لإنصافنا اذا ما احسنّا استيعاب دروسها.
ولكن هل تتصور انه سيجيء اليوم الذي سيكون بوسعنا فيه ان نضع مجرمي منطقتنا والمعتدين على الشعوب فيها في قفص الاتهام؟ وما هو الشكل العملي الذي تعتقد انه مناسب لتحقيق ذلك؟
- صحيح اننا لن نحصل على محكمة جنائية دولية خاصة بالشرق الأوسط ولأسباب تتعلق بالوضع الدولي واستخدامات حق الفيتو، ولكن نعم بوسعنا ان نقوم بالتحضير لذلك على الأقل. وفي تقديري هناك شكل عملي وأخلاقي يمكن للعرب ان يقاضوا عبره مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية بحقهم، وهو اقامة محكمة على غرار المحكمة التي انشأها بعض قادة الفكر العالمي امثال برتراند راسل في ما مضى. ويمكن لهذه المحكمة ان تصدر احكاماً بالإدانة ضد المتهمين اذا توفرت الأدلة ضدهم. ولا يقلل من اهمية هذه الأحكام انها لا تلقى تنفيذاً عملياً، فالإدانة العلنية تحمل في طياتها التنديد بالأفعال وبالشخص وقد يكون لها اثر رادع بالنسبة الى الآخرين. ولا يفوتني هنا ان اشيد بنجاح المجتمع الدولي، رغم الصعوبات الشديدة، في ابرام "اتفاقية روما" الخاصة بإنشاء محكمة جنائية دولية يمتد اختصاصها الى القارات كافة. وهذه المحكمة في الواقع ثمرة المبادئ التي ارستها محكمتنا الحالية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.