انطلاق مهرجان الفن الجرافيتي2 بينبع الصناعية بمشاركة فنانين من مختلف مناطق المملكة    ثورة تغيير في الاتحاد.. مفاوضات جادة لضم محمد صلاح والإنتر يراقب ديابي    وصول أولى رحلات الحجاج القادمين من الجزائر لأداء فريضة الحج    خلافة إنزاغي تشعل التكهنات.. مدرب بورنموث "سيمون فرانسيس" على رادار الهلال    القبض على 3 يمنيين في جازان لتهريبهم (100) كجم "قات"    المملكة توزّع (1,210) سلال غذائية في مدينة خان يونس بقطاع غزة    الأخضر يواجه السنغال ودياً ضمن برنامج الاعداد لكأس العالم    في الرياض.. المجتمع النفسي يناقش أخطر تحديات الصحة النفسية    فندق سويسوتيل كورنيش بارك تاورز الدوحة يقدم عرض عطلة للعائلات خلال عطلة عيد الأضحى وإجازة الصيف    غوارديولا للاعبي البريمرليغ: من لا يحتمل ضغط المباريات فليذهب لفرنسا أو البرتغال    إطلاق عدد من الكائنات الفطرية في محمية الإمام عبدالعزيز    هيئة الأدب والنشر والترجمة تدشن جناح المملكة المشارك في المعرض الدولي للنشر والكتاب 2026    حائل.. حين يتجسّد الجمال في لوحة الطبيعة    النفط يرتفع مع استمرار تعثر الجهود المبذولة لحل الأزمة الإيرانية    الذهب يتراجع تحت ضغط التضخم وخسائر أسبوعية متوقعة    «وزارة الشؤون الإسلامية» تختتم تأهيل الأئمة والدعاة في بوروندي    الحذيفي: تقوى الله مفتاح الخيرات ودروس الأنبياء ترسّخ اليقين    السند: يؤكِّد على أن تكون مشاركة «الأمر بالمعروف» ذات تميز ومهنيه    السديري: علم "الأنثروبولوجيا" يعزز فهم الإنسان السعودي    كباجي التوف ابتكار جديد يمزج المالح بالحلو من القطيف    ملامح البطل تكتمل.. 5 عوامل تقرب النصر من التتويج الرسمي بالدوري    إعدام رجل في الولايات المتحدة أمضى خمسين عاما بانتظار تنفيذ الحُكم    نزاهة تحقق مع 259 موظفا وتوقف 97 بتهم فساد في أبريل    مسؤولون بالمركزي الأوروبي يتوقعون رفع أسعار الفائدة    الأمم المتحدة تمدد مهمة حفظ السلام في جنوب السودان    نائب وزير الدفاع يرعى حفل تخريج الدفعة ال (39) من طلبة كلية الملك فهد البحرية    3 % مساهمة الاقتصاد البرتقالي في اقتصاد المملكة    مجمع الملك عبدالله الطبي بجدة يرسم ملامح جديدة لرحلة الاستشفاء    ولي العهد يعزّي رئيس مجلس الوزراء المصري في وفاة والده    د. محمد عبده يماني.. الوزير الإنسان    الاتحاد السعودي لألعاب القوى عن انطلاق النسخة الأولى    حرس الحدود يشارك في المعرض المصاحب لأعمال مبادرة قافلة جازان الرقمية    أكاديمية مهد تُشارك بثمانية مواهب في بطولة أوقيانوسيا الدولية للجودو بأستراليا    نادي الرياض يتوج بطلاً لدوري الدرجة الأولى تحت 18 عاماً للموسم 2025-2026    تتحول إلى واقع: ماذا حققت رؤية السعودية 2030    رئيس بر بيش يبحث التعاون مع بر الرياض لتعزيز الشراكات الخيرية    غارات إسرائيلية وعمليات تفجير مستمرة في لبنان.. عون: بانتظار موعد أمريكي للمفاوضات مع إسرائيل    دعت لتعزيز نزع السلاح النووي.. قطر: اعتداءات إيران تستهدف السيادة الوطنية والبنى التحتية    المملكة تؤكّد أن السلام يتطلّب وقف إطلاق النار ومنع التهجير وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967    أمير المدينة المنورة يرعى تخريج الدفعة الثامنة من جامعة الأمير مقرن بن عبدالعزيز    ثانوية مؤتة تحتفي بالأحمدي    «مانجا» تعزز تمكين المواهب وتدعم المحتوى الإبداعي    محتال التصاريح الوهمية في قبضة الشرطة    إجراءات نظامية لمتهمين ب«إثارة التعصب».. «الداخلية»: عقاب رادع بحق مهددي الوحدة الوطنية    أمير الشرقية يدشن مشاريع تنموية واستثمارية بملياري ريال    الإسلامية تكثف التوعية للحجاج ب«ذي الحليفة»    تحت رعاية عبدالعزيز بن سعود.. «الداخلية» و«الأوقاف» توقعان اتفاقية تكامل في «طريق مكة»    35 كياناً وفرداً تحت طائلة العقوبات.. واشنطن: خطوات صارمة لمنع «التفاف إيران»    840 ألف وفاة سنوياً بسبب ضغوط العمل    جاهزية متكاملة لخدمة الحجاج في مطار جدة    تجديد اعتماد عدد من المنشآت الصحية بتجمع القصيم    «القصيم الصحي» يفعّل أسبوع التحصينات لتعزيز الوقاية    جازان تهيئ 9327 خريجا لخدمة الوطن    حين تشهر اللغة سلاحا والتاريخ درعا في مواجهة ترمب    أمير تبوك يواسي أبناء الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الفوزان في وفاة والدهم    السعودية تؤكد أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وتحقيق التوازن بين ركائزها الثلاث    أمير الرياض يؤدي صلاة الميت على محمد بن فيصل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حين يقرأ الآخر تاريخنا: الاستشراق الفرنسي نموذجاً . صورة الظاهر بيبرس ... بين هجاء غروسيه ومديح كاهين
نشر في الحياة يوم 12 - 02 - 2001

استرعت شخصية الظاهر يببرس البندقداري، رابع سلاطين المماليك توفي في 676ه/ 1277م، اهتمام المؤرخين المسلمين، فأفرد له بعضهم سيراً ودراسات مستقلة، أو عرضوا له في اطار تأريخهم للدولة الإسلامية. كما شغل السلطان بيبرس حيزاً وافراً في دراسات المستشرقين وأبحاثهم، نظراً لدوره المؤثر في العلاقات بين الشرق والغرب في فترة حروب الفرنجة.
وزاد في شهرة بيبرس اشادة المصادر الإسلامية بخصاله، وبمنجزاته في ميدان العمارة الدينية وأوقافه المنتشرة في أرجاء سلطنته المترامية الأطراف، الأمر الذي جعل للسلطان منزلة خاصة فاكتسبت صورته في الذاكرة الجماعية العربية والإسلامية طابعاً أسطورياً جعلته في مصاف أبطالهم الملهمين، مثل عنترة، والمهلهل، والناصر صلاح الدين، ويتبدى ذلك بوضوح في سيرته الشعبية التي تناقلها الرواة والقصاصون عبر الزمن.
ولعل من أبرز المصنفات الفرنسية في هذا المجال ما قام به ميشو، ودي ماس لاتري وهنري لامنس ورينيه غروسيه وكلود كاهين وغاستون فييت، ودومنيك سورديل وبول ديشان وجان ريشار. وعكست كتابات هؤلاء المستشرقين صوراً لبيبرس متباينة حيناً ومتناقضة احياناً، تبعاً لاختلاف أغراضها ومراميها، ولتأرجح قيمتها العلمية، بين الموضوعية الصارمة والانحياز التام.
في كتابه "تاريخ الحملات" والذي ظهر في ثلاثة مجلدات بين عامي 1934 و1936، يخصص غروسيه مساحة وافرة من المجلد الثالث للتأريخ لبيبرس، متخذاً منه موقفاً يتصف بالعداء. يظهر ذلك بوضوح في مستهل حديثه عنه، فيصفه ب"الحيوان المفترس" وب"الفظ" و"السلطان العبد"، صاباً حقده على حكم المماليك، معتبراً اياه مظهراً من مظاهر "التقهقر التاريخي"، وذلك في معرض "استنكاره" حادثة مقتل المظفر قطز على يده، معلقاً بقوله: ان "هذا المشهد الوحشي يختصر تاريخ سلطنة المماليك كله"، واصفاً حكم المماليك ب"النظام الدموي والبربري" في مقابل "الحكم الأيوبي الإنساني والليبرالي".
ويستخدم غروسيه مصطلح "الحجاج المسيحيين" ويقصد به الحجاج الأوروبيين، مقتبساً اياه من مؤرخي الحروب الصليبية اللاتين، أمثال: وليم الصوري، وجوانفيل، وروبرت داكس. وما خلق التباساً دلالياً بين هذا المصطلح وبين مصطلح "المسيحيين المحليين" الذين أطلق عليهم المؤرخون اللاتين اسم "السكان المحليين" وكذلك فعل مؤرخو حروب الفرنجة المحدثون، في مقابل السكان المسلمين الذين وسموهم ب"الكفار".
ويذكر غورسيه ان "الحجاج المسيحيين" كانوا، منذ أيام بيبرس، يتعرضون للاضطهاد والسلب على الطريق من عكا أو من يافا الى الأراضي المقدسة، وسكت عن الإشارة الى ان هؤلاء "الحجاج" كانوا في معظمهم يأتون الشرق حجاجاً محاربين، ما استدعى اتخاذ الاجراءات الأمنية اللازمة لمنعهم من تشكيل واقع عسكري أثناء وجودهم في الأماكن المقدسة. ومن ذلك: تنظيم السلطات المملوكية مسألة دخول الحجاج الى الديار المقدسة وخروجهم منها، وكان لا يسمح لهم بالدخول اليها الا في مجموعات صغيرة لا يتجاوز عدد كل منها عشرة أنفار. ووفر سلاطين المماليك الضمانات اللازمة لحركة الحج الأوروبي، وترجموا ذلك بتعهدات صريحة لا تحتمل اللبس تضمنتها نصوص اتفاقات الهدن المعقودة بين المماليك والافرنج. كان أولها الهدنة التي عقدها السلطان بيبرس مع أسياد عكا عام 670ه/1272م، كفل بموجبها توفير الأمن على الطريق الموصلة من عكا الى الناصرة. ثم ترسخت هذه الكفالة في عهد السلطان المنصور قلاوون ت 689/1289، في ما عرف باتفاق عكا، كان أكثر تفصيلاً لجهة تسهيل أمر الحج الأوروبي الى الناصرة.
ويثير مصطلح "المسيحيون" الذي يستخدمه غروسيه في كتابه التباسات عديدة. فخلال حديثه عن حصاره لعكا عام 665ه/ 1267م، يذكر ان السلطان عمد بعد ان عجز عن أخذ المدينة الى قتل "المسيحيين" الذين التقاهم خارج أسوارها، من دون أن يحدد هوية هؤلاء. وبالعودة الى مصادر كثيرة نرجح ان أولئك المسيحيين كانوا من الفرنج المكلفين بتأمين حماية المدينة من الخارج، ومن القادمين من المناطق الافرنجية المجاورة لنجدة عكا بعد ان فاجأها السلطان بحيلة حربية كي يأخذها على حين غرة. راجع ابن عبدالظاهر، وابن تغري بردي.
ويحاول غروسيه ان يظهر بيبرس بمظهر من لا يتورع عن قتل رعاياه الآمنين من دون أدنى مسوغ أو سبب موجب إلا لكونهم مسيحيين. ويمثل على ذلك بحادثة هجوم السلطان على قارا، وهي قرية قرب حمص، معظم أهلها نصارى، كانت، آنذاك، محطة للقوافل التجارية على الطريق بين حمص ودمشق. فيعلن دهشته للقسوة التي اعتمدها بيبرس مع أهل قارا، إذ قتل العديد منهم بلا رحمة أو شفقة، وسبى أطفالهم وساقهم الى مصر، بينما الواقع التاريخي يشير الى ان السبب في ذلك يعود الى تعاون سكان قارا مع المغول، حين غزوا البلاد، وان أولئك السكان اعتدوا على أهل الضياع المجاورة وباعوا من وقع في أيديهم الى الفرنج المقريزي. فقصدهم السلطان، عام 664ه/1266م، وقتل بعض سكانها ورهبانها وأعفى عن الباقين بعد أن شفع بهم كبير أعيانهم أبو العز النصراني، المعروف ب"ريس قارا" وفق ما ذكر المؤرخ المعاصر ابن شداد.
ويشوه المستشرق الفرنسي صورة بيبرس حين يعتبر ان مبادرة السلطان الى احياء الخلافة العباسية كانت شراً وبلاء على الإنسانية لأنها، في نظره، أمنت الشرعية الدينية لل"القاتل" و"أضحى العبد القديم سيداً للإمبراطورية الإسلامية".
ومن نافل القول ان احياء الخلافة العباسية في القاهرة أضفى على دولة بيبرس شرعية دينية ما كانت لتكسبها في أي مصدر آخر، مما عزز مكانته في وجه أعدائه في الداخل وفي الخارج، وأضحى المسلمون، في كل مكان، ينظرون اليه على انه حامي الإسلام. كما ان وجود الخليفة العباسي في القاهرة، وهو مصدر السلطات في العالم الإسلامي كله، جعل السلطان بيبرس في مرتبة أعلى من سلاطين البلاد الإسلامية الأخرى، لا سيما وان الخليفة الجديد الذي أعلن باسم "المستنصر بالله"، لم يتردد في تقليد سلطاته الدنيوية" وما سيفتحه من أيدي الكفار" ابن عبدالظاهر.
وإذا كان انتقال الخلافة من العراق الى مصر اندرج في مصلحة بيبرس وخلفائه من بعده، أشاعت هذه الخطوة بالذات جواً من الاطمئنان في أوساط المسلمين بعد ان هالهم سقوط بغداد وتخريبها، وشغور مقام مرجعيتهم الروحية، وهو أمر غير مألوف منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ما خلق بلبلة واضطراباً في صفوفهم.
ومن الطبيعي ان يتسابق الحكام المسلمون على الفوز بشرف نقل مقر الخلافة الى بلادهم. ومن هؤلاء الملك الناصر يوسف الأيوبي، صاحب حلب ودمشق ت 658/1260، الذي سعى جاهداً لإقامة خليفة في بلاد الشام، لكن الأحداث الكبار التي عصفت بالشام، بسبب الهجوم المغولي عليها، أجهضت هذه المحاولة، وظل منصب الخلافة شاغراً ثلاث سنوات ونصف سنة الى حين توافرت لبيبرس فرصة احيائها في القاهرة، ليس لتأمين غطاء ديني تحتاج اليه دولته الفتية فحسب، بل أيضاً استجابة لمشاعر جمهور المسلمين، خصوصاً ان هؤلاء كانوا لا يزالون متعلقين بأهداب الخلافة، يترقبون، بفارغ الصبر، بروز من يعمل على تحقيق فكرة احياء الخلافة واعادة الشرعية الدينية الى نصابها، وهو أمر لم يدركه المستشرق الفرنسي.
ويشدد غروسيه على اجراء مقارنة بين بيبرس وخلفائه أو "قياصرة المماليك" - بحسب تعبيره - وأسياد الفرنج في الشام. فثمة "حيوانات مفترسة، ومتوحشة" في مقابل بارونات ينتسبون الى جماعة حضارية مرهفة المشاعر والأحاسيس. ويصف الأسياد الفرنج بأنهم "لبقون، شعراء، مولعين بالفنون، مشترعون، ليبراليون وفصحاء"، مفاضلاً بين نموذجين: احدهما هو "بيبرس هذا الحيوان المتوحش"، أما الآخر فهو "بوهيمند السادس كونت طرابلس الوقور العزيز النفس".
ويتابع غروسيه حملته على بيبرس، فيأخذ عليه عدم احترامه للعهود والحنث بالإيمان، متهماً اياه بأنه خاض ضد الفرنج "حرب ابادة"، مجارياً بذلك ما سبقه اليه ميشو الذي لم يتردد في قدح بيبرس بسيل من الشتائم أقلها "أنه بربري دعم حكمه بالرذائل، وأنه العدو الأكبر للمسيحيين الفرنج"، متجاهلاً ان حرب هؤلاء كانت دفاعية هدفت الى اخراج المحتل الأوروبي من بلاد الشام، وان الفرنج لم يترددوا في ارتكاب المجازر، ليس فقط في حق المسلمين واليهود في بيت المقدس، بل في حق مسيحيي البلقان والقسطنطينية نفسها، ما جعل المؤرخ اللاتيني المعاصر وليم الصوري يبدي استياءه واستنكاره لسياسة "القتل المنظم" التي انتهجها الفرنج، فوصفها ب"المذبحة المخيفة".
بيبرس عند كاهين
في مقابل صورة، المظلمة عند غروسيه، تحظى ببعض الانصاف والاعتدال في كتابات كلود كاهين، إذ اتسمت دراساته عن الإسلام بالاحترام والتقدير من قبل الباحثين في تاريخ العرب والمسلمين وتراثهم الحضاري. ومنذ 1955، أسهمت دراساته في لفت الأنظار الى ضرورة الاهتمام بدراسة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للعالم الإسلامي، بعد ان كان اهتمام الباحثين محصوراً بالتاريخ الوقائعي للمسلمين. ويعتبر كاهين من أكثر مستشرقي جيله معرفة بالإسلام ديناً ودنيا وأحد أغزر المستشرقين إنتاجاً في مجال الدراسات المتصلة بتاريخ العرب والمسلمين وحضارتهم. ولعل ذلك ما يميزه عن معاصره رينيه غروسيه الذي تعامل مع الإسلام وحضارته من خارج مناخه الفكري والثقافي.
في كتابه "سوريا الشمالية في عصر الصليبيين وإمارة أنطاكية"، الصادر في باريس عام 1942، لا يكتفي كاهين برسم صورة بيبرس في مظهرها الخارجي فحسب، بل تراه يحرص على التوغل في كنه شخصية السلطات وخفاياها، والوقوف على الدوافع العميقة لمواقف السلطان من الفرنج، معللاً إصراره على قتالهم، "لا بوصفهم مسيحيين أو أجانب، بل لأنهم مذنبون، جذبوا بسياستهم وبوجودهم في الشام جحافل المغول الذين كادوا ان يقضوا على العالم الإسلامي".
يشيد كاهين بما أظهره بيبرس من شجاعة وبطولة في عين جالوت، متابعاً بإعجاب إنجازاته العسكرية في شمال الشام الاستيلاء على أنطاكية وإخضاع بلاد الأرمن.
وتبرز موضوعية كاهين ورصانته العلمية بابتعاده عن المحاباة والانحياز عندما يشرع في رسم صورة متكاملة لشخصية بيبرس، قلما وقعنا عليها في كتابات المستشرقين عموماً والفرنسيين منهم خصوصاً. فيرى أن بيبرس حظي بمكانة مرموقة بين رجالات عصره، على رغم اعتلائه سدة الحكم إثر ارتكابه جريمة في وضح النهار يقصد قتل السلطان قطز، و"أنه شخصية نادرة في تاريخ الإسلام المتأخر ارتقت الى عالم الأسطورة".
ولئن لحظ كاهين جوانب سلبية في شخصية بيبرس، آخذاً عليه شوائب خلقية عدة، افتقار الى الذمة، وقاحة فظة، عجرفة لا تعرف الرحمة، وجرأة تكاد تلامس الجنون، فهو يرى أن هذه الشوائب لا تقلل من شأن السطان، فهو صاحب قرار سريع وحذر في آن، وصاحب حس ديبلوماسي حاد، ومعرفة تامة بالأمور العسكرية. وهو "رجل دولة كبير، نظم دولة لعلها كانت الأفضل بناء وأحكاماً مما عرفه الإسلام في تاريخه الغابر"، مشيداً بإنجازاته وبسياسته الحكيمة في عقد الاتفاقات وإقامة الأحلاف والاستفراد بالأعداء.
وتبدو نظرة كاهين الى بيبرس متأثرة، في جوانب أساسية منها، بنظرة سلفه دي ماس لاتري، من مؤرخي القرن التاسع عشر. ف دي ماس لاتري كان أكثر إنصافاً لبيبرس من غروسيه وميشو. إنه يقدم لنا صورة مختلفة، فيصفه بالحكيم الذي يعرف كيف يتدبر أموره في الكر والفر، ويعرف متى يعقد الهدن ومتى ينقضها. ولا يخفي دي ماس لاتري إعجابه ببيبرس عندما يتبنى ما ذكره عنه وليم الطرابلسي، أحد رجال الدين الدومنيكان في عكا، قائلاً: "إن السلطان كان باستطاعته، إذا ما أراد، أن يجعل حالنا أكثر تعاسة مما نحن فيه، والله وحده الذي يرحمنا، أمسك يده عنا. ولا أحد يقدر على منعه من أن يجتاح، وبقليل من الجهد، ما تبقى بأيدينا من مدن وقلاع، مثل صيدا وبيروت وجبيل والمرقب وحتى صور وطرابلس".
ويوافق المستشرق غاستون فييت على معالم الصورة التي رسمها كاهين لشخصية السلطان. ففي مقالة كتبها في "دائرة المعارف الإسلامية"، تحت عنوان "بيبرس الأول"، يميز بين الظاهر بيبرس البندقداري عن سميه السلطان المظفر بيبرس الجاشنكير ت 709/1310م ويشير فييت بتنظيم الظاهر للدولة على قاعدتي الأحكام والتوازن، منوهاً بنظام البريد في أيامه، وهو أمر تنبه إليه أيضاً المستشرق الفرنسي جان سوفاجيه. وأفصح عن إعجابه الشديد بقدرة بيبرس على الإمساك بالأحداث بثقة تامة، على رغم فداحة الأخطار التي كانت تواجهها دولته، فذكر أن بيبرس قام ب28 حملة عسكرية، مقدراً له إقدامه على إحياء الخلافة، وتكريس سيادته على الأماكن الإسلامية المقدسة في الحجاز. وتفرد فييت بالحديث عن خاصيتين تميز بهما السلطان، قلما ورد ذكرهما عند الباحثين العرب والمسلمين ممن أرخوا لبيبرس، ولم يجتمعا إلا في شخص صلاح الدين الأيوبي، وهما: تحقيق وحدة قيادة المسلمين، والحرب الظافرة ضد الفرنج. ويتابع أن عبقرية بيبرس تجلت بتحقيقه فكرة إحياء الخلافة بعد سقوطها في بغداد على يد المغول 656/ 1258 وتكريس سيادته على المدن المقدسة في الحجاز. ويستخلص قائلاً: "إن الإنجازات الكبيرة التي حققها هذا المحارب الخارق أدخلته بحياته الغنية بالمغامرات، في عالم الأسطورة".
في ضوء ما تقدم، يمكننا ان نرسم خطاً منحنياً لصورة بيبرس، يقترب من الموضوعية حيناً، ويبتعد عنها حيناً آخر، إذا استثنينا الخطابات التاريخية لقلة من المستشرقين الفرنسيين المتفلتين من عقدة الآخر المسلم ككلود كاهين وغاستون فييت ومكسيم رودنسون، يمكننا القول إن الخطاب التاريخي الاستشراقي الأوروبي عموماً، والفرنسي منه خصوصاً، ما يزال متأثراً الى حد بعيد بعبء الذاكرة التاريخية المثقلة بهواجس الصراع بين الشرق الإسلامي والغرب الأوروبي منذ العصور الوسطى خصوصاً في فترة "حروب الفرنجة" و"حركة الاسترداد في إسبانيا" وصولاً الى نجاح الاستعمار الأوروبي في الاستيلاء على مناطق شاسعة من العالمين العربي والإسلامي.
وعليه، فإن الطابع الأيديولوجي يحتل حيزاً وافراً في الخطاب التاريخي الاستشراقي عموماً، وتأتي فرنسا في طليعة هذه الدول. ذلك ان الخطاب التاريخي الايديولوجي هو نص في التاريخ وليس نصاً تاريخياً. إنه خطاب يعمد فيه المؤرخ الأيديولوجي الى قراءة انتقائية للوقائع التاريخية، معيداً تكييف ما انتقاه وفق رؤيته المنهجية، ما يترك المجال رحباً للتدخل الأيديولوجي المبني، غالباً، على حد هزيل من المعلومات التاريخية التي يختارها المؤرخ بدقة، تغدو قراءة التاريخ قراءة ايديولوجية سياسية الطابع، وأداة لتسويغ التسلط والنفي.
ولدى معاينتنا لصورة بيبرس المظلمة في خطابات بعض كبار مؤرخي الحروب الصليبية الفرنسيين المحدثين، مثل: م.ميشو، ورينية غروسيه، وبول ديشان، ونيكيتا اليسييف، ودومنيك سورديل، وبدرجة أقل ظلامية لدى كل من دي ماس لاتري، وهنري لامنس، وجان ريشار، وبول روسيه، فإننا نقع على نظرة انتقائية مجتزأة ووحيدة الجانب. فالقراءة الأولىة للنصوص المتعلقة ببيبرس عند المؤرخين السالف ذكرهم، تنم، بما لا يحتمل اللبس، عن حال من التحيز، بحيث تبدو صورة السلطان في كتاباتهم مشوهة تشويهاً يجعلها أقرب الى صورة الوحش المفترس منها الى الوصف الدقيق.
ونشير الى أن صورة بيبرس - بما هي نموذج عن صورة الآخر - تكشف عن ثقافة بعينها لا ترى أن لهذا الآخر حيزاً من التقدير والثناء إلا في ما ندر... نقول ذلك من دون أن نسحب مقولتنا على عموم المستشرقين.
* أستاذ جامعي وكاتب في التاريخ الإسلامي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.