نظم مجلس النواب اللبناني في منتصف ايار مايو الماضي، بالتعاون مع برنامج التنمية التابع للامم المتحدة، مؤتمراً حول تطوير البرلمانات العربية في مجالات عملها الرئيسية أي: التشريع ومراقبة السلطة التنفيذية والتعبير عن الرأي العام. وهذا الموضوع هو حقل حوارات ومناقشات خصبة ينقسم المساهمون فيها من برلمانيين وسياسيين وباحثين ومختصين الى فريقين رئيسيين: الاول، ينصح بالتركيز على تطوير البرلمانات من داخلها. ولهذا وسائل متنوعة مثل تزويد النواب مكاتب شخصية ليتمكنوا من الالتقاء بالناخبين والاستماع الى شكاويهم وطلباتهم. ومن هذه الوسائل ايضاً تخصيص مساعدين اداريين للنواب يحررونهم من الاعباء الادارية والاجرائية التي تستهلك الوقت. والهدف من كل ذلك يمكين النائب عندئذ من تخصيص وقت اكبر للتشريع ومراقبة اداء السلطة التنفيذية وللاحتكاك بالناخبين والوقوف على آرائهم وبلورتها في مواقفه وبرامجه. ومن الوسائل المقترحة ايضاً تخصيص مساعدين للنواب من الباحثين واصحاب الاختصاص، لأنه يفترض في النائب ان يكون على معرفة بقضايا الحكم المتنوعة حتى يبدي رأيه فيها. وبديهي ان النواب، شأنهم شأن سائر المواطنين من حيث ضيق مجالات اختصاصاتهم. فالنائب ليس موسوعة متحركة تنطق بالعلم في كل امر من امور الدولة ومشاغل المجتمع، ولكنه خلال اضطلاعه بأعباء النيابة، سيجد نفسه مضطراً الى اداء رأيه وموقفه من هذه القضايا المعقدة. فإذا كانت خارج اختصاصه واعتمد على نفسه في اتخاذ موقفه لكان احتمال وقوعه في الخطأ كبيراً. اما اذا توافر له مساعدون يدرسون هذه القضايا دراسة جيدة وأمدوه بالمعلومات والآراء المدروسة، فإنه يصبح عندها اقرب الى جادة الصواب وأكثر قدرة على ابداء الآراء السديدة والمقترحات الجادة. ومن الوسائل المقترحة ايضاً لتطوير البرلمانات من داخلها، توفير الموارد المادية الكافية للنواب حتى يتمكنوا من الاضطلاع بدورهم على الوجه المطلوب. ففي عدد من الدول التي تأخذ بالبرلمانية الديموقراطية مثل الهند يضطر النائب الى القيام بعمل آخر خارج مجلس النواب لأن موارده من العمل البرلماني لا تكفيه. هذا الوضع يؤثر في ادائه في هذا الحقل ويحد من مساهمته فيه. فضلاً عن ذلك فإن اوضاعه المادية قد تؤثر على مسلكه السياسي، فينساق الى مسايرة ارباب العمل الخارجي الذي يقوم به حتى لا يخسر عمله. وقد ينجر النائب حيال هذه الاوضاع الى ما هو اسوأ من ذلك، اي الى قبول هبات ومساعدات مادية فيفقد رأيه الحر وصدقيته. من اجل معالجة هذه المشكلة التي اصابت برلمانات الديموقراطيات المتقدمة والناشئة على حد سواء، اقترح دعاة الاصلاح فرض العقوبات الصارمة على المسيئين، مع تأمين الكفاية المادية للنواب حتى لا يتعرضوا الى اغراءات السقوط والانفساد. ومن وسائل تطوير البرلمانات من الداخل التي يقترحها البعض ايضاً، فتح قاعاتها واجتماعاتها ونشاطاتها امام الاعلام المرئي والمسموع. والرأي هنا ان النائب سيجد نفسه مضطراً الى تحسين ادائه عندما يشعر بأنه في مكنة المواطنين متابعة عمله على شاشات التلفزيون. الفريق الثاني، يرى ان التطوير الجاد للبرلمانات يبدأ من خارجها. فالبرلمانات تنهض وترتقي مع تطور الثقافة السياسية السائدة في البلاد. ومن مظاهر هذا التطور ان يصبح المواطن اكثر ثقة بعمل المجالس النيابية، واستعداداً لدعمها والتعاون مع اعضائها سواء كان ذلك في توسيع مساهمته في العملية الانتخابية او التجاوب مع لجان تقصي الحقائق والاستطلاع النيابية. ومن شروط تطوير البرلمانات، في رأي هذا الفريق، النهوض بالاوضاع السياسية في البلاد، مثل اطلاق الحريات الحزبية وضمان الانتخابات الحرة والنزيهة وتداول السلطة بصورة سلمية. كذلك يعتقد هذا الفريق من المعنيين بإصلاح الحياة النيابية ان العوامل الدولية تؤثر تأثيراً كبيراً على سير الحياة البرلمانية خصوصاً في الديموقراطيات الناشئة. التجارب البرلمانية العربية ترجح ان يكون الفريق الثاني اقرب الى الصواب من الاول. ان تطوير البرلمانات من داخلها يفيد بالتأكيد. فلا ريب ان اصلاح الانظمة واللوائح الداخلية للبرلمانات العربية وتخليصها من القوانين المعرقلة لعمل النائب مهم وضروري. وتزويد النواب بالمساعدين الاداريين والخبراء والمختصين، كما حصل في بعضها، يعزز قدرة النائب العربي على القيام بمهامه البرلمانية. كما ان ضمان كفاية النائب المادية والارتقاء بمستوى التمثيل النيابي بمعنى ارتفاع نسبة اصحاب العلم والمعرفة والكفاية الاخلاقية بين النواب، وهو موضع افتخار بعض المجالس العربية، جدير بتعزيز قدرة هذه المؤسسات وبزيادة وزنها في البلاد وانماء ثقة المواطنين بها. الا ان هذه التطورات قد تنقلب، في بعض الحالات، الى عكس المقصود منها. فلقد دخل المجالس النيابية والشورية في عدد من البلدان العربية نفر من اهل الكفاية والعلم. ووفرت لهؤلاء تسهيلات مادية وبشرية كبيرة. الا ان هذه الاوضاع لم تخلق برلمانات افضل، بل ساهمت في قيام مؤسسات مدجنة، وتابعة للسلطة التنفيذية بدلاً من ان تكون مستقلة عنها على نحو يكرس مبدأ التوازن بين السلطات الذي هو واحد من اهم ركائز النظام الديموقراطي البرلماني. العامل الخارجي، اي الاوضاع العامة خارج المؤسسة البرلمانية هي التي ترجح تحويل الاصلاحات الداخلية الى عنصر دفع وارتقاء ونهوض للبرلمانات العربية. فالمؤسسات البرلمانية العربية تنهض مع توسيع الحريات العامة وتطور الحياة الحزبية، ورفع القيود عن الاحزاب المعارضة بصورة خاصة وتعزيز دورها في الحياة العامة. فالاحزاب هي التي امدت البرلمانات العربية بأنشط عناصرها مثل النائب الكويتي عبدالله النيباري، الذي دخل التجربة الحزبية سابقاً، والذي كاد ان يدفع حياته ثمناً لمواقفه البرلمانية من دون ان ينال الاعتداء عليه من ادائه البرلماني، او النائب المغربي علي يعته، الذي ضرب الرقم القياسي في تقديم الاسئلة حتى بلغت خلال دورة نيابية واحدة 71 سؤالاً. وحالات النهوض الحزبي هي التي تمد البرلمانات العربية باكسير الحيوية والفعل المؤثر والوجود النشيط. فعندما كان الاردن يعيش هذه الحال في منتصف التسعينات، تمكن مجلس النواب الاردني من ممارسة حقه الدستوري في دعم بقاء الحكومات او سحب الثقة منها. وعندما يتراجع دور الاحزاب في الحياة العامة والمجتمع، كما هو الحال الآن، يجد البرلمان الاردني صعوبة في الوصول الى النتيجة نفسها مع ان عدد النواب الذين اعلنوا سحب ثقتهم من الحكومة راهنياً، هو اكبر من عدد النواب الذين سحبوا الثقة من الحكومة في منتصف الثمانينات. كذلك تتأثر الحياة البرلمانية العربية بالعوامل والعلاقات الدولية. ففي المغرب فتح الباب امام تطوير المؤسسة البرلمانية ونهوضها، عندما نظمت "المسيرة الخضراء" في الصحراء الغربية. فلقد اخرجت تلك المسيرة العلاقات بين الملك الراحل الحسن الثاني وبين المعارضة من الانسداد، وارسيت على قواعد الاجماع الوطني والديموقراطي المغربي الذي حاز على موافقة كثرة الناخبين والمقترعين. خلافاً لذلك، نجد ان مسيرة التسوية في المشرق كانت عنصراً من عناصر اعاقة تطور الحياة البرلمانية بسبب الاختلاف الواسع في الآراء حولها على صعيد الرأي العام. ان تطوير الحياة البرلمانية العربية يقتضي الاهتمام بتوسيع الحريات العامة وخصوصاً حق المواطنين في تكوين الجماعات السياسية واختيار ممثليهم في المجالس النيابية والمحلية، وتوطيد حق الاحزاب والجماعات المعارضة في الوصول الى السلطة. ويستطيع النواب العرب الاضطلاع بأدوار مهمة على هذا الصعيد اذا كانوا يرغبون اساساً في تطوير مؤسساتهم والارتقاء بدورها في الحياة العامة. الندوات والمؤتمرات التي يعقدونها، مثل مؤتمر بيروت، هي وسيلة من وسائل التطوير حيث يجري فيها تبادل الخبرات وخلق مناخات التعاون حول اهداف مشتركة تجمع المعنيين باصلاح الحياة النيابية العربية. * كاتب وباحث لبناني.