بينما يستعد عدد متزايد من الدول في العالم لاستقبال الألفية الثالثة بتوسيع دائرة المشاركة في الحياة العامة، تستقبل المجتمعات العربية هذه المناسبة وسط مظاهر ومشاهد متعددة تعكس محدودية هذه المشاركة ان لم يكن تراجعها وانحسارها. في الكويت أسقطت الاكثرية البرلمانية المرسوم الاميري الذي صدر في أيار مايو الفائت والذي اعطى المرأة حق الانتخاب والترشيح. في نظر البعض كان هذا الحدث انتصاراً للبرلمان على السلطة الاميرية، وتأكيداً لحق ممثلي الشعب في سن القوانين واستصدار التشريعات ومناقشة مشاريع القوانين. ربما كان هذا الامر صحيحاً من حيث الشكل ولكن ليس من حيث الجوهر. فالديموقراطية تقتضي توسيع المشاركة العامة لا تضييقها وحجبها عن نصف المجتمع. ان تاريخ التطور الديموقراطي في العالم يسير بشكل مواز تقريباً مع اعطاء حق الانتخاب للمزيد من المواطنين والمواطنات. الديموقراطيات كانت ناقصة عندما كانت حكراً على اصحاب الثروات والامتيازات الاجتماعية والرجال، وهي اخذت تتطور الى الأمام مع اعطاء حق الانتخاب والترشيح والمشاركة النشيطة في الحياة العامة الى سائر المواطنين والمواطنات. الأكثرية النيابية تميل عادة الى صيانة المبادئ الديموقراطية وتوطيدها ولكن ليس دائماً، اذ حدث احياناً ان سارت هذه الاكثريات في الطريق المضاد. ففي المانيا الهتلرية وقفت الاكثرية النيابية الى جانب الغاء الحياة النيابية والنظام الديموقراطي. وفي حكومة فيشي في فرنسا الغي النظام الديموقراطي ايضاً بقرار نيابي. في اماكن كثيرة من العالم سارت الاكثرية النيابية على الطريق نفسه. هل يمكن وضع الاكثرية النيابية في الكويت على نفس المستوى مع هذه الاكثريات؟ لا. طبعاً. انها لم تلغ النظام الديموقراطي، ولكنها أبقته ناقصاً ومبتوراً وحرمت نصف المجتمع تقريباً من المساهمة فيه. ان تهميش المرأة الكويتية عبر تعطيل مرسوم اعطاء المرأة هناك حق الانتخاب والترشيح حدث كئيب سوف ترتد آثاره على اوضاع المرأة العربية عموماً وعلى قضية التطور السياسي في المنطقة. ومن اجل التخفيف من الآثار الضارة لهذا الحدث فانه من المستحسن دعم الجهود التي يبذلها بعض نواب الكويت من اجل تقديم مشروع قانون بديل للمرسوم الذي اسقطه مجلس النواب. في هذا الاطار تستطيع المنظمات النسائية العربية الاضطلاع بدور خاص اغفلت القيام به حتى الآن. انها تستطيع تقديم دعم واسع لنساء الكويت عبر سائر وسائل العمل الشرعي وفي سياق نشاطات عربية تضامنية. ان تنشيط دور المنظمات النسائية العربية في دعم المرأة الكويتية لا يعفي المنظمات العامة المختلطة العربية من هذه المسؤولية لأن مثل هذه القضايا تؤثر، كما قلنا، على تقدم المنطقة عموماً. المنظمات العربية مطالبة بمواقف فاعلة في قضية المرأة وفي غيرها من القضايا المهمة، ولكن ألا تعاني هذه المنظمات نفسها من التهميش؟ وهل تستطيع هذه المنظمات ممارسة تأثير حقيقي على صانعي القرار في الدول العربية؟ وهل تملك هذه المنظمات الاسهام الحقيقي في توسيع دائرة المشاركة في الحياة العامة العربية؟ هذه الاسئلة تبادرت الى الاذهان مع انعقاد المؤتمر العام الثاني للأحزاب العربية في بيروت خلال الشهر الفائت. لقد كان تأسيس المؤتمر مبادرة مفيدة تطلع اليها البعض كوسيلة من وسائل تطوير الحياة الحزبية العربية. الا ان المؤتمر لم يتمكن من الوصول الى مرحلة الاقلاع لسببين رئيسيين: اولاً، لأنه تعرض الى نكسة اليمة بوفاة أمينه العام السابق النائب الأردني الراحل سليمان عرار الذي لعب دوراً رئيسياً في تأسيس المؤتمر. ثانياً، لأن الاحزاب العربية نفسها تعاني من متاعب جدية. فهي لا تزال، مع بعض الاستثناءات، نخبوية الطابع محصورة في اعداد صغيرة نسبياً من المثقفين والنشطاء المدينيين، تفتقر الى التجدد ومواكبة التطورات الفكرية والسياسية التي تجتاح العالم. مؤتمر الاحزاب العربية الثاني عالج قضايا كثيرة مهمة مثل الصراع العربي - الاسرائيلي ودعم سورية في موقفها في "مفاوضات السلام" ودعم العراق في طلب رفع العقوبات وانهاء الحصار المفروض عليه، ودعم المقاومة في جنوبلبنان. هذا التوجه سليم في جوهره ومن الضروري التأكيد عليه. ولكن تكرار هذه المواقف لا يكفي فمن الضروري ان تنتقل الاحزاب من معالجة المشاكل والقضايا العامة ومن تحديد المواقف من التحديات التي تواجه الامة العربية الى النظر في التحديات التي تواجه استمرار الاحزاب العربية نفسها. ولقد كان من المستطاع زيادة اهمية المؤتمر لو انه تطرق الى قضايا تتعلق بتطوير الحياة الحزبية العربية ولو توقف بصورة خاصة امام الصعوبات والعقبات التي تعترض النهوض بها، ولو اقترح بعض الوسائل والطرق المفضية الى اخراج الحياة الحزبية العربية من ازمتها الراهنة. من هذه الوسائل القيام بنشاطات مشتركة بين الاحزاب العربية، وفي اطار مؤتمر الاحزاب نفسه، من اجل تصحيح نظرة المواطنين العرب الى العمل الحزبي. العمل الحزبي في البلاد العربية يرمز اليوم، عند الكثيرين من المواطنين والمواطنات، الى معانٍ سلبية وغير محببة مثل الانغلاق والانقسام والاستعلاء والاستبداد، في حين ان الاحزاب تنشأ عادة لتحقيق اهداف مغايرة تماماً لهذه الصورة القاتمة. ان مؤتمر الاحزاب العربية سيخدم قضية التطور السياسي في المنطقة لو انه اضطلع بدور نشيط في اقناع المواطنين بأن للعمل الحزبي وجهه الآخر وان دور الاحزاب هو خدمة المواطن وليس استخدامه. قد لا يكون هذا مطابقاً لواقع الاحزاب العربية وقد تكون الصورة المتشائمة هي الاقرب الى الواقع ولكن المطلوب نشر المعرفة بمبادئ العمل الحزبي السليم وتعريف المواطنين بماهية الحزب اساساً. ولعل هذا التوصيف يرشح الى الاحزاب العربية القائمة فيساهم في انقاذها من حال التهميش الذي تعاني منه حتى ولو بدا ان العكس صحيحاً. من بين الفئات الاجتماعية العربية تظهر فئة رجال الأعمال والمستثمرين وكأنها الفئة الاكثر حظوة والاكثر تأثيراً في الحياة العامة والأبعد عن التهميش، علماً ان الادب السياسي العربي الذي انتشر في النصف الأخير من هذا القرن يؤكد ان هذه الفئة تمارس دور الهيمنة والسيطرة على الحكم. الصورة التي يقدمها مؤتمر رجال الأعمال والمستثمرين الثامن الذي عقد في تونس في نهاية الشهر المنصرم تقريباً لا تؤكد هذه النظرة. في المؤتمر السابع الذي عقد في خريف العام الفائت في بيروت تعهد رجال الأعمال ليس فقط بدعم مشاريع العمل العربي المشترك مثل مشروع منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وانما اعربوا ايضاً عن نيتهم في التدخل المباشر من اجل ضمان نجاح هذه المشاريع. بين المؤتمرين بدت هذه التعهدات وكأنها اقرب الى الأماني والآمال منها الى الخطط العملية التي تدفع بعملية التعاون الاقليمي العربي الى الأمام. وما صدر عن المؤتمر الثامن يعتبر، في احسن الاحوال، تكراراً للمواقف التي اعلنت في المؤتمر السابق من اهتمام بتطوير التجارة بين الدول العربية ودعوة الى ازالة الصعوبات التي تعترضها وتحول دون نموها من مستواها الحالي الذي لا يزيد على 10 في المئة من حجم التجارة العربية الخارجية. هذه المشاهد والاحداث تكاد ترقى الى اشارات الانذار: الحياة العامة العربية بحاجة الى عملية انقاذ من وضعها الراهن. اذا كان نصف الأمة لا يزال مهمشاً، اذا كانت القوى الاجتماعية "المهيمنة" غير قادرة على التأثير في قرارات الحكومات وسياساتها، اذا كانت المنظمات "الجماهيرية" تعاني من النخبوية فإننا لا ندنو الى الألفية الثالثة بل نبتعد عنها. * كاتب وباحث لبناني