صدق أو لا تصدق. تداعى مجلس النواب والحكومة في لبنان لمناقشة كل هذا القيل والقال، على مدى سنوات، بشأن التنصّت على الهواتف، وتوصلا في نهاية النقاش الى نتيجة فخمة: هذا التنصّت يجب أن يقونن، أي ان يكون مضبوطاً بقانون... ما يعني، على الأقل، ان ليس من قانون بهذا المعنى حتى الآن. أو ما يعني، على الأكثر، ان ثمة قانوناً بل قوانين يفترض ان تراعى لدى استخدام التنصّت لكنها لا تحترم، أي لا تنفذ. هل يعني ذلك، بعد الجلسة النيابية - الحكومية، ان القوننة ستأخذ مجراها؟. العلم عند الواحد الأحد، وعند المتنصت، أو بالأحرى عند المتنصتين، كونهم كثراً ومتعددين بتعدد الأجهزة التي تفرّخ اجهزة، ناهيك بالجهاز الأكبر "الحاضن" لها. وإذا بقي شيء من النقاش الأخير فهو عبارة لمدير الأمن العام مفادها ان جهاز التنصّت في مديريته اغلق أما التنصّت نفسه فهو قائم. قال ذلك في داخل الجلسة وليس علناً، لكن الاستدراكات الحكومية شاءت ان تأخذ من عبارته جزءها الأول، أي ان جهاز التنصّت عند الأمن العام اغلق، وأهملت الجزء الآخر الذي يؤكد وجود تنصت. ومن يدري، نقد يكون الرجل قال ان جهازه مغلق من قبيل الاستياء والاحتجاج وعدم الرضا. أصبح من المفهوم ان التنصّت موضوع لا يخص الحكومة، فهو من امتيازات الأمن الاقليمي. ومن المهم الاشارة الى ان أحداً لم يقل ان جهاز التنصّت لدى الأمن العام هو الجهاز الوحيد، ولا أحد قال انه هو المستهدف من مساءلات النواب والسياسين في ظل هذه الحكومة والحكومة التي سبقتها سواء بسواء. أكثر من ذلك، لا أحد يعتقد جدياً أن هذه الدولة، خلافاً لسواها من الدول، تنفرد بحرمان نفسها من التنصّت. اما الفارق فهو انه في هذه الدولة، خلافاً لسواها من الدول، لا يمكن أحداً مساءلة المتنصتين الحقيقيين أو مناقشتهم في "أخلاقيات" مهمتهم وأساليبها وغاياتها. وبالتالي، فليس مستهجناً ان يكون الانطباع الذي بقي عند المواطنين هو أن كله يكذب على كله، وان كله يعرف كله، وأما الحديث عن القوننة فهو مجرد اخراج يعتقد أصحابه أنهم بالغو الذكاء الى حد أنهم وجدوا مثل هذه الفذلكة، والى حد أنهم يعتقدون ان الناس تصدقهم. مشكلة "النظام" الذي ولد بعد الحرب في لبنان انه يتفادى البوح باسمه وهويته، مخافة ان يحاسب بحسب ما هي حقيقته، لذلك تراكم الكثير الكثير من "المسكوت عنه" كأنه غير موجود. ومع ذلك لم ينفع التكتيم المبرمج في قتل ادراك الناس ووعيها، حتى لو اعتقد أصحابه أنهم نجحوا في احتقار ذكاء مواطنيهم. ومن المؤكد أن أحداً لا يعيب على هذا "النظام" التنصّت في سبيل صون أمن الوطن والتقاط الخونة والجواسيس والعابثين، لكن الكل يمكن أن يعيب عليه أنه يدار بطريقة ضخمت الالتباس في مفاهيم الخيانة والتجسس والعبث، وحتى في مفاهيم الوطنية بل خصوصاً فيها. من دون أي شك أفلح الحكم الحالي في اضفاء مسحة نظافة ونزاهة كانتا مفتقدتين، لكن هذا يبقى اشتغالاً في البديهيات. فالنظافة والنزاهة هما الأصل في طبائع الحكم، وليس العكس. المهم هو ما ينجز في العمق، وهو التغيير سواء في حسم استعادة البديهيات أو في ترجمة النظافة والنزاهة بمفاهيم تؤسس لممارسة سوية للحكم. ثمة أمراض سياسية لبنانية تعتمل في كل اتجاه امام عيون الجميع وفي غفلة منهم في آن. وهذا في حد ذاته أخطر الأخطار ولا يُعرف حقاً إذا كان المتنصتون يفهمونه وينقلونه الى أصحاب القرار، بل لا يعُرف تماماً رد فعل أصحاب القرار على ما يعرفون. ما يُعرف هو أن التنصّت استخدم بشكل سيئ ومغرض، وكأنه لا يزال مهماً ما يقوله سياسي لسياسي آخر بالهاتف أو حتى بعيداً عن الهاتف بعد كل هذا الذي حصل للبلد ولنظامه واقتصاده وشعبه.