"عندما دخلت الى القاعة المحروقة لفت نظري كومة الأحذية التي خلعها الشباب ليرقصوا بارتياح قبل الحريق، تلك الاحذية التي يلبسها شباب بعمر أولادي وأولاد العديد منا، جعلتني استوعب ان الكارثة كبيرة جداً ووقتها فقط فهمت ما حصل داخل القاعة". هذا ما قاله رئيس وزراء السويد يوران برسون عندما زار مبنى النادي الماكدوني الذي التهمته النيران وقضت على حياة 63 شاباً وفتاة كانوا يحتفلون في عطلة الشتاء الأولى لهم في العام الماضي. عام مرّ على الحادثة ورائحة الحريق لا تزال موجودة داخل النادي تذكر بهول الكارثة. تأتي ريح خفيفة تحرك شقفة القماش الكبيرة الملتفة حول مبنى النادي الماكدوني في حي باكابلان في مدينة يوتبوري السويدية. هنا وقع منذ سنة أكبر حادثة حريق في تاريخ السويد الحديث وذهب ضحيته 63 شاباً وفتاة، 90 في المئة منهم من أصول أجنبية، أصغرهم 15 سنة. وأكبرهم 23 سنة. الشقفة البيضاء التي وضعت مساء السبت الماضي رسم عليها 63 طائر حمام تتوجه الى الأعلى نحو سماء زرقاء. رانية حسين، عراقية الأصل لم تتجاوز التاسعة عشرة من العمر بعد، كانت داخل مبنى النادي في تلك الليلة السوداء. ذهبت مع صديقاتها الى الحفلة من أجل الترفيه عن نفسها بعد أشهر طويلة من الدراسة. لم تستوعب هول الكارثة في بادئ الأمر بل اعتقدت ان الذي يجري شيء عابر أو "مزحة": "وقفت في منتصف قاعة النادي محاطة بزحمة كبيرة كادت تخنقني، أتى صوت يصرخ من آخر القاعة ان حريقاً شب خلف باب الطوارئ وبدأ يمتد الى القاعة. أمواج من الأجسام بدأت تتدافع باتجاه المدخل الرئيسي هرباً من دخان اسود تسلل ببطء، وارتفع نحو سقف المبنى. حاولت أن أهرب مع الهاربين ولكن لم استطع التحرك بسهولة. إلا أن أحد أصدقائي قام بحملي ووضعني على رف خزانة الثياب القريبة من المدخل ومن أحد النوافذ". تشرح رانية تلك اللحظات السوداء بصوت منخفض بسبب كمية الدخان الكبيرة التي دخلت الى رئتيها وأثرت عليهما. "خلال وجودي على ظهر خزانة الثياب رأيت غيمة سوداء قادمة باتجاهي، حاولت أن أهرب منها عبر الزحف على رؤوس الشباب الى أقرب نافذة حتى أتمكن من التنفس. وفور وصولى الى نافذة زجاجية كسرتها بيدي واخرجت رأسي منها غير آبهة بالدم النازف من كفي. حتى تلك اللحظة لم أكن أعرف بالذي يحصل، إلا أني رأيت أجساماً تتساقط من النوافذ باتجاه الساحة الخارجية وبدأت اشعر بموجة حر كبيرة تجتاح جسدي وبدأت أتقيأ". وتشير الى انها لم تشعر ان الذي كان يحصل سيتسبب بموتها، ولكنها كانت على ثقة بأنه شيء غريب لم يحدث لها في حياتها: "من المستحيل ان أصف الذي كنت أشعر به تلك اللحظات المؤلمة، دخان ونار ورفاق يموتون وحرارة عالية تجتاحني. شيء لا يمكن وصفه الا إذا شعر بها الشخص نفسه، شيء بين الحلم والحقيقة، شعور قريب من الموت، رأسي خارج النافذة الزجاحية وشعور بالخوف من القفز من تلك النافذة التي يصل علوها الى ستة أمتار ومئات الاشخاص يركضون باتجاهات مختلفة هرباً من الموت الأحمر الذي انتشر بسرعة رهيبة في كل القاعة". هذا ما شعرت به رانية قبل ان تمتلئ رئتاها بدخان سام أدى الى الأعماء، لكن رانية التي فقدت الكثير من صديقاتها كان الحظ بجانبها واستطاعت ان تصل الى خارج المبنى والحصول على العناية اللازمة من رجال الاسعاف. ومن الذين كانوا خارج المبنى وشاهدوا الحادثة من الخارج الشاب وسيم عمر 18 سنة الذي هرب مع عائلته من نيران الحرب اللبنانية قبل حوالى 10 سنوات، وكان أحد من حالفهم الحظ ونجوا من الكارثة. يتذكر وسيم عمر ليلة الخميس التي أتت لتصبح الليلة الحزينة: "كان اليوم الأول من اسبوع عطلة الشتاء المدرسية التي نستغلها للراحة بعد أشهر من الدراسة. وبما انه لا يوجد الكثير من أماكن الترفيه التي يمكن لشباب في عمرنا الدخول اليها، قرر بعض الاصدقاء اقامة حفلة لشباب المدرسة في مبنى النادي الماكدوني". النادي يتسع ل150 شخصاً تقريباً، ولكن في تلك الليلة الخريفية الباردة تجمع اكثر من 400 طالب وطالبة للاشتراك في الحفلة التي كان من المفروض ان تستمر حتى ساعات الصباح الأولى، لكن بسبب عتمة الليل توقفت في الساعة 11.43 لتحط في أرواح شباب في أول العمر، وتقرر تلك العتمة ان تسكن في منازل عائلات فقيرة كانت قد هربت من نيران الحروب في العراق، ولبنان، وايران وافغانستان والبوسنة الى بلد آمن مثل السويد. في ذلك الوقت انتشرت دخنة سوداء في قاعة الحفلة التي تبلغ مساحتها حوالى 300 متر مربع، ويعتقد ان الدخان أتى من الجهة الخلفية للمبنى أي من جهة مخرج الطوارئ حيث مكبرات الصوت وآلات التسجيل. تلك الدخنة التي كونت سحابة من الغاز السام في سماء القاعة تفاعلت لتصبح قنبلة موقوتة وتنفجر بعد أقل من دقيقتين لتشتعل النيران في المبنى المؤلف من طبقتين ويبدأ حوالى 400 شخص يركضون هرباً من سعير النيران التي انتشرت في كل المبنى خلال أقل من نصف دقيقة ووصلت، حرارتها الى 800 درجة مئوية. وعلى رغم ان رجال الاطفاء كانوا في المكان في خلال 4 دقائق فإن الوقت كان كافياً لتحصد تلك الغيمة الحارقة أكثر من 60 شخصاً. وسيم الذي دخل النادي للاشتراك في الحفلة اتصل به أحد أصدقائه من الساحة المجاورة وطلب منه الخروج ليساعده على طبع الختم الموجود على يده يد وسيم ليدخل هو مجاناً: "كنت واقفاً أحاول ان أنسخ الختم على يد صديقي وفي خلال أقل من ثوان معدودة التفت الى مبنى النادي ورأيت نار جهنم تخرج من نوافذه، أصدقاء لي يرمون بأنفسهم من الشبابيك على أرض اسفلتيه حيث لقي العديد منهم حتفه، والمئات يتراكضون من المخرج الوحيد هرباً من سعير النيران. وقفت مذهولاً من هول الكارثة التي ذكرتني بأيام الحرب التي عشناها في لبنان، ومن ثم ركضت لتقديم المساعدة الممكنة للذين كانوا على قيد الحياة". بعد التحقيقات تبين انه عند انتشار النار في سماء القاعة الواقعة في الطابق العلوي لم يستطع أحد ان يركض تجاه مخرج الطوارئ لأن الحريق أتى من وراء باب الطوارئ أي من غرفة الدرج الموجودة في الخلف، والذي صعّب الأمر اكثر انقطاع التيار الكهربائي فلم يستطع أحد ان يعرف في أي اتجاه يجب الهروب. وهذا خلق جواً من الفوضى والعنف فتراكض الجميع على بعضهم البعض ومنهم من مات تحت الأقدام. الأطباء الذين اشرفوا على الجثث قالوا ان معظم الضحايا ماتوا نتيجة تنشقهم الدخان المسموم الذي يقتل الشخص في ظرف نصف دقيقة. الكارثة غيرت حياة الكثير من الشباب في المدينة، ووسيم الذي كان في مكان الحادثة أصبح شخصاً آخر بعد ان فقد أعز أصدقائه في الحريق: "لم أكن قبل الكارثة أهتم بدروسي كثيراً وكنت كما يقولون "صائع" اما الآن أنظر الى الحياة بطريقة مختلفة، فأنا أحب الحياة أكثر ولا أضيع الكثير من الوقت في أشياء تافهة بل أركز على الاهتمام بمستقبلي ومدرستي. وأنا اؤمن بالله الذي يساعدني في التغلب على مشاعر الحزن التي تركتها الكارثة في روحي"، ويتحدث وسيم عن أصدقائه الذين ماتوا في الحريق، ويقول انهم حاضرون في حديثه اليومي وهو يتذكرهم كلما توجه ناحية النادي الماكدوني أو كلما جلس مع رفاق له في مقهى المدينة: "من الصعب ان أنسى أصدقاء العمر الذين كانوا يشاركوني الدراسة وأوقات فراغي. انهم حاضرون دائماً. وكلما أريد ان اقترب منهم أكثر أزور المقبرة التي دفنوا بها أو اتصل بأهلهم واتحدث معهم. وكلما توجهت الى منطقة باكابلان حيث وقعت الكارثة يخيل لي ان الذي حصل كان حلماً وليس حقيقة وأبدأ بالتساؤل عن أصدقاء ذهبوا ولم يعودوا. انه حلم. واحياناً لا أصدق ان الذين حصل كان حقيقة، خاصة اني اتفقد أعز أصدقائي الذي مات في الحادثة، لا يذهب من خيالي أبداً، نحن الآن نجلس في المقهى اشعر انه سيدخل في أي لحظة ويجلس لنرتشف القهوة سوياً". أما رانية الهادئة التي يظهر على وجهها حب كبير للحياة والاستمرار في تحقيق أحلامها وممارسة هواياتها، فتقول انها لم تزر مكان الحادثة إلا مساء السبت الماضي حين اجتمع المئات لإحياء الذكرى السنوية الأولى للضحايا، وتقول: "تلك المنطقة نقطة سوداء في حياتي لا أحب ان اتذكرها أو ان اتصل بشيء يذكرني بها، فهي كارثة أريد أن أمحوها من روحي، فهناك مات أعز أصدقائي وصديقاتي، وهنا كنت على وشك ان أموت. لهذا لا أرغب في ان أزور تلك المنطقة. وذهابي السبت الماضي الى هناك لم يكن إلا احتراماً للذين ماتوا، تغلبت على مشاعري وذهبت لأضع وردة وشمعة لأحباء فقدتهم لن يعودا الى الأبد". وتشير رانية الى ان الذي حصل تشعر به كل يوم، خاصة عندما تخلد للنوم. هناك على الفراش وحدها مع أفكارها تأتي الكوابيس التي تقول لها ان الذي حصل حقيقة وليس حلماً: "نعم الذي حصل حقيقة، والكوابيس التي تجتاحني كل ليلة تشعرني اني موجودة في مكان ضيق يصعب فيه التنفس وأني أموت ببطء. أحاول ان استمر في الحياة إكراماً للذين ماتوا. كانوا شباباً في أول العمر جمعتهم الغربة الموحشة في ليلة باردة وماتوا في نيران البعد عن بلادهم. انها قصة حقيقية لن تنجح في هد عزيمتي وحبي للحياة، بل سأستمر على رغم اني اشعر ان عمري الآن أكثر من 50 سنة". وهذا ما قاله لها الطبيب: "ان الدخان الذي تنشقته خلال لحظات في القاعة يعادل 30 سنة من تدخين السجائر". تركت الكارثة اسئلة، وحتى الآن لم تستطع الشرطة ان تكتشف الجاني على رغم انها حققت مع اكثر من 800 شخص. ولكن الشيء الأكيد الذي توصل اليه المحققون ان الحريق مفتعل. كان هناك تكهنات ان الذين قاموا بهذه العملية هم اشخاص من حركات عنصرية، ولكن هذا غير مؤكد حتى الآن. وهناك من يحمل السلطات المحلية مسؤولية الكارثة بسبب اهمال المناطق المكتظة بالسكان الاجانب. فالمكان الذي وقعت فيه الكارثة هو من أفقر الأمكنة في مدينة يوتبوري، والتمييز الحاصل في سوق العمل وفي المجتمع يدفع بطريقة غير مباشرة العائلات المهاجرة الفقيرة الى التجمع في مناطق معزولة عن بقية المجتمع، حيث المشاكل الاجتماعية والعرقية والدينية والاقتصادية، والبطالة تصل هناك الى اكثر من 70 في المئة. ولكن ايمان رانية بالله يثبت عزيمتها وتقول: "أنا فتاة اؤمن بالله لذا لا يهمني من الذين تسبب في الكارثة لأن الله سيحاسبه، ولكن إكراماً للذين ماتوا وإكراماً للمئات من الضحايا أتمنى لو أنهم يتوصلون لمعرفة السبب وليس المسبب"، لكن رانية تعود وتؤكد ان الكارثة بكل سلبياتها جعلتها عنصراً أفضل، فهي تهتم الآن بدروسها وتحصل على مساعدة مستمرة من الأهل والاطباء وهدفها المستقبلي أصبح واضحاً، العمل مع الاطفال وتعزيز هواياتها المسرحية: "الأطفال هم شباب المستقبل الذي تبنى بهم الأوطان ولهذا أريد ان أعمل مع الأطفال في المستقبل من أجل المساهمة في خلق وطن أفضل".