فجّر المحقق المستقل الخاص كينيث ستار قنبلته القانونية عصر الأربعاء الماضي عندما أرسل بتقريره حول فضيحة "مونيكا غيت" إلى مجلس النواب الأميركي، مفاجئاً البيت الأبيض والكونغرس معاً بالسرعة التي نقل فيها قضية امكان محاكمة الرئيس بيل كلينتون تمهيداً لعزله من مجرد كلام إلى واقع سيواجهه الشعب الأميركي وممثلوه خلال الشهور الطويلة المقبلة. وتراجع أمس كل الأخبار، باستثناء الخبر الأساسي، وهو انتقال مشاكل الرئيس كلينتون من مجرد أزمة شخصية ذات أبعاد سياسية، إلى أزمة تواجهها الولاياتالمتحدة وذات أبعاد قانونية ستؤثر بشكل أو بآخر على الرئيس الأميركي ومنصبه وعلى صدقيته في الداخل أو في الخارج. وتأتي أهمية تقرير ستار وملحقاته الذي وضع في 18 علبة كرتون كبيرة، أنه يعرب عن اقتناعه لمجلس النواب بوجود معلومات ملموسة وذات صدقية قد تشكل سبباً لمحاكمة الرئيس تمهيداً لعزله. وسرعان ما رد البيت الأبيض على لسان المحامي الخاص للرئيس ديفيد كينديل ببيان مقتضب أكد عدم وجود أي أساس للمحاكمة الدستورية، وان الرئيس اعتذر عن علاقته مع لوينسكي وطلب الصفح، وشدد على القول بأن تقرير ستار إلى الكونغرس "يمثل فقط ادعاءات المحقق... وهي ادعاءات مُنعنا من مراجعتها"، في إشارة منه إلى رفض ستار اعطاء فرصة للبيت الأبيض للاطلاع على التقرير قبل ارساله إلى مجلس النواب، بل ذكرت مصادر مطلعة ان ستار سارع في ارسال التقرير وفاجأ الجميع، في محاولة منه لاستباق أي مناورات قانونية قد تعوّق وصول التقرير لأسابيع وربما لشهور. ودخل البيت الأبيض في أجواء أزمة كبيرة، خصوصاً أنه لم يكن ينتظر، مثله مثل الكونغرس، وصول التقرير بهذه السرعة. وسارع مساعدو الرئيس ومحاموه إلى مراجعة استراتيجيتهم، في ما يبدو أنه محاولة من جانبهم للانتقال من مجرد دفاعات قانونية إلى دفاعات قانونية وسياسية مشتركة بهدف الرد على تقرير ستار بتقرير مضاد، وتجميع القوى الديموقراطية في الكونغرس للوقوف وراء الرئيس والدفاع عنه والسعي لدى الرأي العام الأميركي مرة أخرى إلى شرح وجهة نظر الإدارة والمحافظة على دعمه للرئيس. ومع وصول تقرير ستار إلى مجلس النواب سارعت اللجنة القضائية إلى الاجتماع للتداول في كيفية التعاطي معه لجهة نشره فوراً أو الانتظار قليلاً، كما يدعو الديموقراطيون لمراجعته. ويأتي التقرير الأساسي في 445 صفحة وهو مقسم إلى ثلاثة أجزاء: الأول 25 صفحة مقدمة و280 صفحة تضم تفاصيل ما حدث و141 صفحة تحتوي على رأي ستار وتحليله القانوني لأسباب دعوته إلى محاكمة الرئيس. وهذا التقرير وضع في علبة واحدة، أما العلب ال 17 الأخرى فتضم نصوص الشهادات وأعمال هيئة المحلفين الكبرى وأدلة مادية ومنها أشرطة تسجيل وفيديو. ومعظم هذه المواد مرتبطة بالمتدربة السابقة لوينسكي وبامرأة أخرى كانت تعمل في البيت الأبيض وتدعى كاثلين ولي ادعت ان الرئيس كلينتون راودها عن نفسها. وأعلن رئيس اللجنة القضائية النائب الجمهوري هنري هايد أنه يتوقع أن يتم نشر التقرير الأساسي 445 صفحة بسرعة، أي بعد أن يوافق أعضاء اللجنة على ذلك، ويصدر قرار عن مجلس النواب بالموافقة على توصية اللجنة. ويتوقع أن يتم تعميم التقرير اليوم الجمعة. وأضاف هايد ان اللجنة ستدرس محتويات العلب ال 17 الأخرى لتقرير ما هو صالح منها للنشر. وشدد رئيس مجلس النواب نيوت غينغريتش جمهوري في خطاب له أمس، على ضرورة ان يتفادى النواب مهاجمة الرئيس كلينتون شخصياً وعدم استعمال أي عبارات جارحة، وذلك للمحافظة على صدقية العملية الدستورية ولتحاشي أي اساءة إلى منصب الرئاسة. وأكد أنه يؤيد نشر تقرير ستار. والسؤال الذي طرح أمس هو كيف ستتم عملية محاكمة الرئيس تمهيداً لعزله؟ علماً بأنه منذ نشوء الجمهورية لم يعزل أي رئيس أميركي نتيجة لمحاكمة دستورية. ففي العام 1886 كادت العملية أن تنجح عندما صوت مجلس النواب لعزل الرئيس أندرو جونسون، لكن مجلس الشيوخ فشل في الحصول على غالبية الثلثين بصوت واحد في عملية العزل. وفي العام 1974 استبق الرئيس ريتشارد نيكسون عملية العزل بالاستقالة، خصوصاً بعدما وافقت اللجنة القضائية على محاكمته تمهيداً لعزله. والجدير بالذكر ان خطوات المحاكمة تسير على الشكل الآتي: أولاً، تدرس اللجنة القضائية الاتهامات في تقرير المحقق. وإذا وجدت ما يبرر اجراء تحقيق خاص بها تبدأ عندئذ الاستماع إلى الشهادات. وفي ضوء تحقيقها تقرر إما اقفال الموضوع أو نقل المسألة إلى مجلس النواب ككل. وإذا وافقت غالبية بسيطة من الاعضاء على المحاكمة تمهيداً للعزل تنتقل القضية عندئذ إلى مجلس الشيوخ الذي يلعب دور هيئة محلفين تستمع إلى ممثلين عن مجلس النواب الذين يلعبون دور الادعاء العام، بينما يلعب رئيس المحكمة العليا دور القاضي. وإذا صوت أعضاء مجلس الشيوخ بغالبية الثلثين يدان الرئيس ويعزل من منصبه. ولا يتوقع أن تبدأ اللجنة القضائية أعمالها في هذا المجال قبل بداية العام المقبل، خصوصاً أن الانتخابات التشريعية المقبلة ستتم مطلع تشرين الثاني نوفمبر المقبل، ولا يوجد أي سياسي أميركي مستعداً الآن لمواجهة هذه الأزمة الدستورية أو التعاطي فيها. وكل ذلك ينذر بحال شلل ستفرض نفسها على الإدارة طوال هذه الفترة. وفي ما بدا أنه محاولة مستمرة، حسب الرأي العام الأميركي، كرر الرئيس كلينتون الأربعاء الماضي اعتذاره لما حدث وطلب الصفح ووعد بعدم التكرار. وقال: "لا الوم أحداً سوى ذاتي على الجراح التي الحقتها بنفسي". وأضاف: "لقد بذلت كل جهودي لأكون صديقكم ولكنني أيضاً احبطتكم واحبطت عائلتي واحبطت هذا البلد...". وبدورهم، أكد المسؤولون في البيت الأبيض ان الرئيس كلينتون لا يعتزم تقديم استقالته، بل انه مستعد للمقاومة بشدة ومعه زوجته هيلاري التي قد تعلن قريباً وعلى الملأ الصفح عنه ودعوة الأميركيين إلى الاحتذاء بها. ويبدو ان المحقق ستار لم ينته من عمله بعد، إذ أن الناطق باسمه أكد ان هيئة المحلفين الكبرى ستتابع أعمالها وقد اجتمعت بالفعل أمس، لدرس امكان توجيه المزيد من الاتهامات إلى عدد من مساعدي الرئيس.