نائب أمير الرياض يرفع الشكر للقيادة الرشيدة على تبرعهم السخي لحملة "الجود منا وفينا"    تراجع أسعار النفط في التعاملات الآسيوية بعد مكاسب قوية    مراقب فلسطين بالأمم المتحدة: فلسطين ملك لشعبها وليست محل مساومة أو بيع    الأمم المتحدة: المستوطنات الإسرائيلية ليس لها شرعية قانونية وتنتهك القانون الدولي    ترقية الدكتور علي القحطاني إلى درجة أستاذ "بروف" في جامعة الإمام محمد بن سعود    أمير الشرقية لمنتسبي الإمارة: رمضان محطة إيمانية متجددة تعزز قيم الإخلاص والتفاني    أمير الشمالية يتسلّم الملخص التنفيذي لفرع "الاتصالات"    السعودية: 22.3 مليار ريال فائضاً تجارياً    إعتماد خطة مطار الملك عبدالعزيز لموسم ذروة العمرة لعام 1447ه    دعم مختلف مشاريع رؤية 2030.. شراكة بين «السعودية» والقدية لدعم تجارب المتنزهين    أمير الجوف يدشّن خدمة الاتصال المرئي في صوير ويلتقي المواطنين    مُحافظ جدة يستقبل المهنئين بحلول شهر رمضان المبارك    أكد القدرة على دمج عائلات داعش بأمان.. مصدر سوري: فوضى مخيم الهول مسؤولية «قسد»    طهران تتمسك بشروطها في جنيف.. واشنطن تؤكد منع إيران من السلاح النووي    وسط تباعد المواقف.. تعثر محادثات جنيف بين موسكو وكييف    تقويض الحلول    النصر يتأهل لربع نهائي كأس آسيا 2    في جولة «يوم التأسيس» ال 23 من دوري روشن.. كلاسيكو نار بين الهلال والاتحاد.. والنصر يواجه الحزم    «العنصريون جبناء».. فينيسيوس يوجه رسالة قوية.. وبنفيكا يدافع عن بريستياني    القيادة تهنئ رئيس جامبيا بذكرى استقلال بلاده    النصر إلى ربع نهائي آسيا 2    كونسيساو: هناك فرق بين «روشن» و«النخبة»    أمام خادم الحرمين الشريفين.. الأمراء والمسؤولون المعينون حديثاً يتشرفون بأداء القسم    استعراض تقرير «تراحم» أمام نائب أمير القصيم    توفير 94 مقعداً دراسياً موزعة على برامج أكاديمية.. الإعلام توقع اتفاقيات مع 9 شركات لتأهيل الكفاءات    يوم التأسيس.. استلهام همم الأجيال    جاسم شومان.. أن تكبر في الرياض وتعيش في فلسطين    موسم الدرعية يعلن تمديد عدد من برامجه    خالد سليم بين «مناعة» و«المصيدة» في رمضان    تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين ونيابة عنه.. أمير منطقة الرياض يكرم الفائزين بجائزة الملك سلمان لحفظ القرآن الكريم للبنين في دورتها ال27 الجمعة المقبل    هرم كينيدي الجديد    كندية تفوق من التخدير بلكنة روسية    بائع شاي.. يقود إمبراطورية عالمية ناجحة    إنقاذ ساق مواطن من البتر في الدمام    سر اختصاص القرآن بالخلود وعدم التحريف    جوائز عالمية تحتفي بروائع التصوير    رامز جلال يكشف عن ضحاياه    الدفاع المدني يؤكد أهمية المحافظة على سلامة الأطفال من مصادر الخطر داخل المنازل    «كأني أنظر إليك تمشي في الجنة»    رحلة قرآنية    «بادوسان إندونيسيا»    أمير القصيم :تدشين حملة «الجود منّا وفينا» يجسد نهج القيادة الرشيدة في ترسيخ العطاء وتعزيز الاستقرار السكني    الاتحاد السعودي يجدد شراكته مع الاتحاد الإيطالي للمبارزة لتعزيز التطوير الفني    انطلاق جولة يوم التأسيس في دوري يلو ب9 مواجهات وقمة الدرعية والعروبة بالرياض    تكافل اجتماعي    الطلاق النومي ظاهرة تتسلل إلى غرف الأزواج    صحة جازان تُكرّم مسيرة عطاء متقاعديها    التمكين الكلمة التي أنهكها التكرار    شاكر بن عوير عضواً بمجلس إدارة الغرفة التجارية بأبها    أمير تبوك يستقبل المهنئين بشهر رمضان المبارك    أخطر الحيتان ليست التي تعاديك    بطليموس يعظ    «الجود منا وفينا».. تحفيز للمجتمع على الخير وخطوة تعكس التكافل الاجتماعي    ترقية 4333 فردًا من منسوبي الأمن العام    أفغانستان تطلق سراح ثلاثة باكستانيين بوساطة سعودية    تعليم الشرقية يحتفي بيوم التأسيس لتعزيز الهوية والإنتماء    تسرب بيانات في "أسبوع أبوظبي المالي" يضر بشخصيات سياسية واقتصادية    سأل الله أن ينعم على الأمة الإسلامية والعالم بالاستقرار.. الملك سلمان: ماضون في نهجنا الثابت بخدمة الحرمين الشريفين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«قوم يا مصري» سياحة مسرحية في التاريخ
نشر في الحياة يوم 05 - 08 - 2011

كُتبت قبل عام من ثورة مصر، ولم يُسمح لها أن تضجَّ بالحركة والحياة فوق خشبة المسرح إلا اليوم. كانت بمثابة نبوءة تعبوية تثويرية لكي «يقومَ المصريُّ» من سُباته الذي طال أمدُه، فقام المصريُّ وأشهدَ العالمَ على واحدة من كبريات ثورات التاريخ ضد الشمولية والطاغوت.
أما المسرحيةُ، فعنوانها «قوم يا مصري»، حثّاً للمواطِن على النهوض من غيبوبةٍ طالت، واستلهاماً لأغنية فنان مصر الخالد «سيد درويش: «قوم يا مصري/ مصر دايماً بتناديك/ خُد بنصري/ نصري دينْ/ واجبْ عليك». وأما كاتبُها، فهو الشاعر والكاتبُ المسرحي بهيج إسماعيل. وأما بطلُ المسرحية في تقديري، بالإضافة إلى النص التحريضيّ المبدع، فكان تصميمُ الأزياء الذي أبدعته منى درّاج، والديكور الذي أبدعه ناصر حافظ، بما أن الدراما سَفرٌ طويل عبر تاريخ مصر الضارب في عمق التاريخ منذ آلاف السنين، بين غُزاتِها وممالكها وضروب الأعراق المتباينة التي دخلت في متن نسيجها ولم ينجح عرقٌ من تلك الأعراق في استلاب هويتها، بل أذابت مصرُ، على مر التاريخ، كل الأعراق التي اخترقتها، وصهرتها بين خيوط جدائلها، لتبقى مصرُ مصرَ. لهذا قال مايكل رايس: «إن الذي جعل من مصرَ مصرَ، هو أنها تمكنت من احتواء الكل، ولم يستطع أحدٌ أبداً أن يحتويها».
تُقدَّم المسرحية الآن على «المسرح العائم، فاطمة رشدي»، بالقاهرة ، ومسرح «الليسية» في الإسكندرية ، وتواصل تقديمها على مسرح «الحديقة الدولي». بطولة: محمد متولي، بثينة رشوان، خالد محمود، نيرمين كمال، ومن إخراج عصام الشويخ: مجموعةٌ من شباب المتظاهرين يبدأون تظاهرتهم بدخول جامع «عمر مكرم» ليشيّعوا ويقيموا صلاةَ الغائب، الرمزية، على «كلَّ حاجة حلوة ماتت في البلد».
يتزعمهم الشاب الثوريّ محمود وخطيبته مها. يُضرب محمود على رأسه بعصا الأمن المركزي الغليظة، فيدخل في غيبوبة مواتٍ إكلينيكيّ سنوات ستّاً. انفضّ الجمعُ من حوله بعدما أسلموه لخراطيم التنفس الاصطناعي، وفقدوا الأملَ في عودته للحياة، إلا الأم، التي تأبى إلا الإيمان بعودة ابنها للوعي، وكذلك الطبيب الشريف، الذي اختار له المؤلف اسم «محمد أبو الغار»، الطبيب المصري المعروف، ورئيس الحزب المصري الديموقراطي الآن. يقاوم الطبيبُ قرار الطبيبة اليائسة، سوسن طه، التي لم تر موجباً لبقائه موصولا بالخراطيم حيث لا أمل في عودته للحياة، على أن الطبيب يصرُّ على موقفه وأمله، فيحقنه بمادة تنشّط اللاشعور، في محاولة منه أن يحثَّ الحواسَّ بالتدريج على استعادة وظائفها.
ثم تأخذنا الدراما، داخل عقل محمود المغيّب، في رحلة عبر الزمن، والمكانُ ثابتٌ: أرض مصر الطيبة. يدخل محمود ومها العصرَ الفرعونيَّ، فيجدان رئيس الكهنة والجنودَ ينشدون التحايا ممهورةً بفروض الطاعة والولاء للملك الفرعون. ذاك الذي لا يظهر أبداً للشعب، وأبداً لا يسمع شكاواه. يحاول العسكر ورجال الفرعون اختطاف مها لتقديمها قربانًا للنهر المقدس «حابي» (النيل)، في سياق تقديم أجمل عذراوات مصر كل عام عروساً للنيل، كي لا يحرم الأرضَ السوداء «طِيبةَ» من فيضانه الثري، جالب الخير والخصب. هنا، تظهر الأمُّ لتبسطَ عباءتها الواسعة على المشهد، وتنقذهما في اللحظة الأخيرة من براثن العسكر، فيدخل العروسان في المحطة الزمانية التالية: العصر الرومانيّ، هنا سيكونان شاهدين على قسوة الرومان على مصر القبطية. ولحظة يقرر الجنودُ قتل العروسين الثائرين لأنهما رفضا أن يُسبِّحا بحمد قيصر والسجودَ أمام عرشه، تبسط الأمُّ عباءتها كعادتها في اللحظة الأخيرة، فيدخلان حقبة تاريخية جديدة: العصرَ المملوكي.
يفرض الجابي ضرائبَ باهظةً على محمود الفقير الذي لم يجد عملاً يقتات منه وخطيبته، فيفكر أن يسرق ليدفع الضريبة ويفدي رقبته وعروسه، ثم يثنيه شرفُه الثوري عن الفكرة، ثم يقرر أن يشحذ، فيُخفق أيضاً، حيث يقبض عليه العسكر لأنه يرمي باللوم في إنشاده على السلطان! وأخيراً يقرر العروسان التعيسان أن يبيعا نفسيهما في سوق النَّخاسة، ومن جديد تظهر عباءة الأم/ المُخَلّص، لتنجدهما من ويل القادم. يدخلان اليومَ التاريخي الفاصلَ الشاهد على نهاية العصر المملوكيّ وبداية الولاية العثمانيّة. يوم شُنق طومان باي السلطان الجسور المحبوب على «باب زويلة» على يد السلطان العثماني سليم الأول. يبحث محمود في الدولة العثمانية عن عمل يقيم أودَه، فيوقعه حظُّه العاثر في شَرك مخترع تركي أفنى عمره في اختراع آلات تعذيب البشر، ليبيعها للسلطان الجائر. هنا يظهر فاكهةُ الممثلين، الفنان الواعد عماد حمدي، الذي أبدع في تقمّص دور العالِم التركي القادم من الآستانة، لغةً وأداءً وكوميديا ستُسجَّل في تاريخه. يوقّع محمود صكَّ عمله على سلاح جديد اسمه «الخازوق»، فيكون مسمى عمله: خازوقجي، لكنهم يخدعونه ويحاولون تجربة السلاح المستحدَث عليه هو نفسه قبل عرضه على السلطان! فتنقذه الأمُّ، نيرمين كمال، كالعادة في اللحظة الأخيرة، بعباءتها السحرية. وهنا، نعود معه من جديد، إلى سرير غيبوبته، في عصرنا الراهن، عصر مبارك، قبل ثورة يناير.
يفكر الطبيب الشريف، الذي أدّى دورَه باقتدار الفنان محمد متولي، في حيلة أخيرة قد تنجح في اعادة الوعي للمصري الساقط في غيهب الغيبوبة. يمسك الطبيبُ الجريدةَ اليومية، ويقرأ بصوت عال أخباراً إيجابية «زائفة» عن مصر: القضاءُ على الفساد، انتهاء الجشع، الغلاء، البطالة، التلوّث، أزمة السكن، أزمة المرور، إسفاف الفضائيات، خلق مشروع قومي للشباب... الخ. وهنا تتحقق المعجزة، بعدما تلتقط أُذنا النائم محمود موجاتِ تلك الأخبار الكاذبة/ الأوهام، يدبُّ الأملُ في حواسّه، فينهضُ المصريُّ من غيبوبته، ويخرج إلى الوعي.
تلك الرحلةُ الشاقةُ ليست سياحةً فانتازية في تاريخ مصر، بل تحليلٌ عميق لأزمة مصر الراهنة الضاربة بجذورها في قلب الماضي. تلك التي انتهت، بالفعل، بعودة الوعي الثوري للمواطن المصريّ، لينهض من نومه الطويل ويُسقط دولة الظلم، ليَشْرَعَ من ثم في بناء دولة الحق والعدل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.