قصص عشق لا تنتهي بين الفنان التشكيلي عثمان الخزيم ولوحاته ومجسماته. دراسته الرسم في الرياض وإيطاليا، وجولاته العربية والدولية فتحت له أبواباً على التشكيل في مفهومه الواسع. الخزيم يقول ل«الحياة» إن يكره الغرور والرياء، وخصوصاً بين الفنانين والمثقفين، ولا يخفى أنه لم يكن عبقرياً حين كان طالباً في المدرسة، إلا أن نبوغه بالرسم تكشف للجميع منذ طفولته. وأوضح عثمان الخزيم أن الأفكار العظيمة «لا تنتظر بروتوكول استقبال، فما أجملها أن تأتي الأفكار عفوية مسترسلة. حين أجلس في مرسمي تخطر ببالي أفكار لوحات فجائية من دون سابق تخطيط. أعشق الاقتراب من لوحاتي وأراها الأجمل ولا أفرضها على أحد»، مشيراً إلى أنه عندما يكون بجوار لوحة له، فإنه كمن يكون بجانب حبيبته، متمنياً أن يقضي معها أطول فترة ممكنة، كاشفاً أن أغلى لوحة باعها كانت قبل 10 أعوام بمبلغ 35 ألف ريال. من ناحية، يقول الخزيم: «الفن التشكيلي في السعودية يتصدر مقدمة الفنون، فالجميع لا يمانع أن تكون ابنته رسامة تشكيلية، كونها ترسم في البيت أو تعتاش من المهنة، إلا أن الفنون الأخرى من رقص أو غناء أو حتى مجرد الظهور مازالت خطاً أحمر». ويضيف: «الفن التشكيلي أسهم في توثيق الحضارات الإنسانية، فالاستكشافات الأثرية معظمها حافل بالرسومات ويوثق مراحل تاريخية قديمة مازالت محفورة على الصخور أو في باطن الأرض». ولفت إلى أن أوروبا الآن «لا يوجد فيها فنانون كبار، حتى أصبح تعليق اللوحات في المتاحف مجرد تسالٍ، في الوقت الذي أصبحت فيه المتاحف صرافات بنك، يأتي الجميع لزيارتها في مقابل مادي وليس مجاناً كما هي الحال في السعودية». وذكر الخزيم أن الفن التشكيلي عند بعض الشبان «مجرد لوحة تعلق على الجدران لا أكثر، من دون الغوص في هذا الفن الذي باستطاعته أن يغير مسار الشعوب». وقال إن استكشاف مواهب الأطفال «مسؤولية يتحملها الأهل. أسهل الطرق لاستكشاف المواهب، طرح مواضيع على الأطفال وبجانبهم الأقلام والألوان والورق، إذا لاحظت أن أحدهم بدأ الرسم في مجال معين فتدرك حينها أنه موهوب في هذا المجال، أما إذا أخذ يرسم في أكثر من مجال، فغالباً ما يكون مستقبله فناناً تشكيليتاً». أهم من بيكاسو وأضاف: «التشكيليون العرب حالياً يستنسخون أعمال بعضهم البعض أو أعمال تنتمي إلى شعوب أخرى، وليس لهم هوية ذاتية»، مشيراً إلى أن أحدهم حاول مجاملته بأن وصفه ب«بيكاسو العرب» فرد عليه «أنا عثمان وأهم من بيكاسو، لأن بيكاسو انتهى وموجود في المتاحف والمكتبات، أما أنا فمتجدد وأطرح المستقبل في رسوماتي». ويعد الخزيم الرسم «لغة عالمية، فربما لا تستطيع معرفة معنى ماء أو خبز بالمالديفية أو الصينية أو الهندية، لكن حين تجد رسمة شوكة وسكينة تعرفها فوراً». ولفت إلى أنه يستمتع برسم لوحاته، ولا يفرض على الآخرين عشق اللوحة، أو الخطوط التي يتعايش معها، ويروي عن فنانة أجنبية لا تعرف اللغة العربية أنها قالت إنها «تشعر بأن دمها يمشي خلال رسوم الحروف، مستمتعة بالفراغات التي تختزلها العربية»، مبيناً أنه حتى جهاز الكمبيوتر وبرامج التخطيط لم تستطع أن تغيب الخط اليدوي، «لأن الخطاط يتعامل مع الخط بأنفاسه وأحاسيسه، لكن في حال استخدام جهاز بذاكرة صماء يفقد الخط روحه وروحانيته». وقال: «الفن موجود في ملابسنا وموائدنا ومنازلنا لكن قلة من يتذوقنه»، مضيفاً أن دور جمعيات الثقافة والفنون منذ وجدت ضعيف، «فهي غير قادرة على إشاعة التفائل بين الموهوبين لاستقطابهم، أو حتى بين الفنانين أنفسهم». وأشار الخزيم إلى أنه يعتاش من الرسم والتخطيط والمعارض ويتعامل مع الفن على هذا الأساس، ويؤمن بالمقولة الشهيرة «الخط للفقير مال وللأمير جمال»، مؤكداً أن الخط مرتبط بالوضع الاقتصادي، «فمثلاً أهل الصعيد في مصر يبدعون أكثر من أهل المدينة، والحال كذلك في معظم الدول»، مشيراً إلى أن أجمل لحظات حياته يوم استقال من الوظيفة وتفرغ للفن. وأضاف: «من يتعامل مع الفن على أنه هواية وتسلية وقضاء وقت، لا يمكنه أن يجعل الفن مصدر رزق، أما من يتعامل مع الفن بجدية فبالتأكيد سيكون مردوده جيداً في النهاية»، كاشفاً أنه ينفذ أحياناً لمصلحة عدد من محال المجوهرات تصاميم الأسماء بطرق فنية مبتكرة، ويتواصل مع الفنادق والمؤسسات الراغبة بتجميل مبانيها. تغيير الواقع بالرسم وذكر الخزيم أن «معظم العرب يتغنون بما حققه أجدادنا قبل مئات السنين وننظر إلى الماضي على أنه الأجمل»، متسائلاً: «أليس بمقدورنا تغيير هذا الواقع بالرسم والفن ونعيش الأجمل؟ مشيراً إلى أنه يحكم على مدى احترافية الفنان أحياناً «من طرق استعداده وحركته، تماماً كما أعرف العازف المتمكن من مجرد فحصه لأوتار العود»، مبيناً أن الفن «استمتاع ولا توجد إجابة لماذا اللوحة جميلة؟ ف(الموناليزا) مازالت تستنطق لاستنباط أسرارها». وقال إن هوايته وعشقه أن يسبح بين الألوان بتقنياتها وأنواعها، متفاعلاً مع لغة التكنيك ليخلق لنفسه كاريزما لونية خاصة به، «كسراً لكل القواعد والقيود»، مضيفاً أن الفنان «الذي لا يكسر المألوف ليس بفنان»، مشيراً إلى أن الفن والجمال ليس لهما تفسير، موضحاً أنه حتى حين يكون محكماً في مسابقات فنية وطنية أو عالمية، ويمنح صوته لوحة ما، فهو في الغالب لا يعرف لماذا منح هذه اللوحة وصته، إذ لا يجد تفسير أو سبب واضح، «لأن الجمال لا يفسر». ووصف عثمان الخزيم الشهرة ب«القاتلة»: «فمن يعتقد أنه مشهور ومغرور يحكم على نفسه بالانتهاء، فما أجمل أن يعيش الفنان المعروف حياة عادية بسيطة، لا أن يضيع وقته بترصد نظرات الجمهور»، لافتاً إلى أن نقاد الفن «آخر من يستمتع بالفن، لأنهم ينشغلون بنقد اللوحات وتفوتهم فرصة الاستمتاع بها». وتطرق إلى أن المتحف «يجب أن يكون هاجس الوطن، وتوضع فيه لوحات لفنانين عالميين، لأن لوحاتهم يجب أن تكون نواة المتاحف»، مشيراً إلى أن أحد المتاحف اشترى لوحة فان جوخ ب80 مليون دولار، «لإيمانه أن وجود لوحات بهذا المستوى تزيد من الإقبال على المتحف، وكان المردود أن دخل المتحف وصل إلى 12 مليون سنوياً». وذكر أن من العبارات الشائعة أن الفنان ترتفع شعبيته بعد موته، «وهذا خطأ شائع، فالفنان مثل المزارع الذي ربما يوفق بأشتاله فيما الجار المحاذي له لا يوفق، ولو سمح لي انتقاء التشكيليين المميزين على الساحة السعودية لما تجاوز عددهم 15 فناناً، وعلى رغم ضآلة الرقم إلا أنه يعادل عدد تشكيلي الخليج العربي مجتمعين»، موضحاً أن الفن التشكيلي السعودي «ينقصه الكثير، ويكاد يكون بلا هوية وغير معترف به، فليس له مجلس أعلى، ولا مكان له في حياة المسؤولين، وفي وزارة الثقافة والإعلام مكتب صغير مسؤول عن الفن التشكيلي في المملكة»، داعياً وزير الثقافة والإعلام الدكتور عواد العواد إلى أن يولي الفن التشكيلي الدعم والتشجيع.