ليس بمهم ماذا تقول، الأهم أن تقوله بشكل جيد. بذكاء! باللباقة واللطف والظرف وباختيار العبارة وطريقة إلقائها. وليس المهم ماذا تفعل، الأهم أن تفعله بشكل جيد. أن تتقن عملك، ولعمري هذا ما نريده لك، لكن لم نعد نسعى إليه. نحن نرضى بالفتات مني ومنك. بأي شيء وبأي شكل وبأي صورة. مع رجائي أن لا تقول، أن تصمت قليلاً. فلقد قضيت عمرك وأنت تقول وقد أزعجتني وأنت تلقي المسؤولية على هذا وعلى ذاك وأي شماعة تجدها في أقرب زاوية. فلنستحي وليتحمل كل منا مسؤولية نفسه وكفى. أي أن أعمل. فلن يحك جلدك بعد اليوم سوى ظفرك. لا أهلك ولا قبيلتك ولا ربعك ولا الجمل اللي رحل بك. حتى المسؤولية الاجتماعية لا نريدها، لا من الغني فيكم ولا من الفقير. ليكن كل منكم مسؤول عن نفسه وهذا أكثر من كافٍ، يا كافي. نحن نغلب مع البعض في المسؤولية العائلية، فما بالك بالمجتمع بأسره؟ حتى العائلة التي كان مفهومها محبة وعطاء والتزاماً ومساعدة، بل أتذكر أنه كان يقال على كل فرد بأنه «مجبور» بمساعدة أهله، إلا أنه ومع الأسف الشديد، فإن هذا الوضع إلى ذهاب تدريجي. حتى الأم ، صرنا ننسى واجبنا تجاه أمنا. وإذا كان كذلك في وسط العائلة الواحدة، فكيف هو مع الأقرباء والأصدقاء؟ وماذا ترتجي ممن لا يساعد أهله وعشيرته وأصدقاءه، فكيف له أن يساعد المجتمع؟ مع العلم أنه لم يكوّن نفسه، مع الشدة على الواو، إلا من خلالهم. فأين رد الجميل لهم ؟ وأين رد الجميل لبلده؟ يا أخي لا أحد يرد الجميل. مفقودة هذه المعاني من قاموسنا. فمثلاً يتخرج الطالب فينسى المدرسة ومدرسيها ومن ثم الجامعة وأساتذتها ومن ثم الشركة ومديريها وهكذا. لا وفاء ولا عودة ولا نظرة إلى الوراء ولا حتى زيارة. فكيف يساعدهم وينخرط في العمل الاجتماعي. وكل واحد «نفسي، نفسي»! حتى الغربيين الذين نبهدلهم ونشرشحهم ونقول إنهم بلا قلب، تعالَ وتفرج عليهم. الناجحون فيهم يعودون ليساعدوا ويدعموا كل من كان له فضل في وصولهم. يسددون التزامتهم للمؤسسات التي يمولونها بالفكر أو الجهد أو المال وبسعادة ما بعدها سعادة، وفي الوقت ذاته يحمون القائمين على هذه الأعمال ويبتعدون عن إقرار سياساتها إلا ما يخولهم ضمن مجالس إدارة منتخبة حتى لا يستأثر أحدهم في إقرار ما لا يفهم من قرارات. أما نحن فيكرهونك في الساعة التي غلط أحدهم وشارك فيها. إذ على المؤسسة التي دعمها أن تطبل له وتزمر ويرقص أعضاؤها طرباً في الصحف والمجلات وحبذا لو وصلوا للتلفزيونات، والتلفزيونات لن توصلهم إن لم يعلنوا مسبقاً ولاحقاً. حتى التلفزيونات ما عندها من رسالة ولا سالفة إلا الإعلانات. غلط. نعم ما يحصل ليس في مصلحة أحد. ولقد كنت قرأت أن التاجر والصناعي وأرباب الأعمال كافة، هم بحاجة إلى مجتمع يستهلك، وبالتالي، مجتمع قادر على التوصل إلى الحد المناسب من الرفاهية، والتي تسمح له باستهلاك السلع والخدمات. فالعملية ليست محصورة في مجال المساعدة وإعادة توزيع محدودة للثروة، بل هي أيضاً مرتبطة بالفائدة الاقتصادية المتأتية عن تدعيم سياسة المسؤولية الاجتماعية وتطوير أدواتها. وصدقاً هذا الكلام ليس من عندي، فيا ليت يقتنع كل قادر مادياً بيننا ببعض ما ورد، ببعض من العطاء لتعود إليه الفائدة أضعاف. وحتى إن لم يكن قادراً مادياً، فلا بد أنه قادر علمياً، فكرياً، أو حتى في أسوء الأحوال أن يقدم الدعم العاطفي والولاء والمحبة. فكفى هذا الوضع كفى! يعني حتى الإحسان راح من قلوبنا وصرنا بلا إحسان وبلا التزام. لا أريد أن أصدق ولا أريد أن أتشاءم لهذا الحد. لكني حتماً أشعر اليوم وأكثر من أي وقت مضى بخير أهلي وأصدقائي وخير السعودية علي وعلى العالم الإسلامي بأسره. إنه انتماء حقيقي لها وإلى مجتمعها. إنها ومضة نور تحمل في طياتها زيوت الأمل. وإننا نحبها ونحب ناسها وإنها نظام قيم وحياة. وإننا سنعمل لها ولناسها. فلكم يشرفني أن أكون عاملة لها خادمة للسعودية. هم أهلي. هم صنعوني، أو ليست هذه مسؤولية تغنيك عمن يريد أن يساعدك أو يكابدك أو حتى يعاندك؟ خلف الزاوية يا صاحب القلب النبيل أذاكر كم عطرت ذكراك من أجوائي أم أن رحلتك الأخيرة عكرت صفو القلوب بثورة الإغواء [email protected]